X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أدب وشعر
اضف تعقيب
28/08/2021 - 11:40:46 am
مِنْ وَجَعِ السير ذاتي الفلسطيني العراقي:لملمة أوراق تبعثرت لسلوى جراح

مِنْ وَجَعِ السير ذاتي الفلسطيني العراقي:

«لملمة أوراق تبعثرت» لسلوى جراح

بقلم:د.سمير حاج 

كتابة السيرة الذاتية الفلسطينية أو التغريبة الفلسطينية، المسموعة من الذاكرة الجمعية، من رؤى مَن يعِشْنَ في المنفى أو خارج المكان، هي كتابة مأساوية مُترعة بالمواجع والامتهان والتلاشي، فيها تستعيد الكاتبة شريط ذكريات لَم تَعِشْها، لكنها سمِعَتها شَفَويا مِن ذاكرة والدَيَها وجَديْها عن حقبة ما قبل النكبة، حيثُ وقف الزمان بها، وكأن الكاتبة بقيت تلك الطفلة المشدوهة، التي تشكلت هناك ولمْ تكبرْ، داخل عتبة البيت العكي، الذي خسرَهُ أهلُها وبقيتْ هيَ تبحثُ عنهُ. الغربة في توصيف الكاتب الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا هي «أوجع اللعنات» والغريب أو المُغَرب، رغم وجعه يبقى برؤية المُفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، رهينَ ذكرياته، في المكان الأول الذي خسره. وها هي الكاتبة الفلسطينية ابنة عكا سلوى جراح، مَسكونةً بالوجع الفلسطيني العراقي، وبلعنات الغُربة، تبكي فلسطينَ والعراقَ معاً، وتقوم بتعريجاتٍ مُتعددة إلى مدينتها الأولى عكا التي لا تخافُ هديرَ البحر، على خُطى إدوارد سعيد، في زيارته العاطفية الخجولة عام 1992، لبيت عائلته المسلوب الواقع في الطالبية – القدس الغربية، وغادة الكرمي عام 1991، إلى بيت عائلتها الواقع في القطمون، تماهياً مع سعيد. س التخييلي، في مزمور غسان كنفاني الحزين «عائد إلى حيفا».
سلوى جراح العكية الجذور، وهي عائدة إلى طفولتها المُشتهاة في عكا، ترنو باندهاشٍ، إلى مدينتها وأهلها الباقين فيها، تلعق حنْظَل الغُربة الحارقة، وتستمد نَسَغَ الحياة وهي تلملمَ، أوراق ذكرياتها المُشتتَة والمبعثرة بين أسوار عكا، أو في الوعاء العكي بلغة باشلار «كنتُ على أبواب الخمسين من عمري حينَ زُرْتُ عكا لأول مرة. وقفتُ عند مدخلها القريب من جامع الجزار مشدوهةً أكاد لا أصدق ما أراه. وحين خطوتُ في شوارعها، انهمرت دموعي، وأنا أرى أمامي كل حكايات جدتي وأبي وأمي، جامع الجزار وسبيل الطاسات، كما كانت تصفه أمي، ومطحنة جدي في الزاوية عند مدخل السوق. والبحر والصخور التي يؤدي إليها السوق العتيق». هذا الحنين للمنزلٍ الأول، شدها لتكرار زيارتها إلى عكا التي حملتها في تلافيف ذاكرتها وفي عالمها التخييلي، «في سنين تالية، تكررت زياراتي لعكا وجعلتها مسرحاً لأحداث روايتي الثانية «صخور الشاطئ» التي قال عنها أصدقائي العكاويون: «إنها تصف عكا بدقة وكأنني عشتُ فيها عمري». كما أن هوية البيت تغيرت « وقفتُ على عتبةِ بيتِ جدي وأنا أستذكرُ كل ما حَكَتْهُ جدتي عنهُ. لمْ يَطُلْ وقوفي على العتبة لأن البيتَ تسكُنُهُ ثلاثُ أسر يهودية جاءتْ مِنْ بولندا. التقطْتُ الصور وتمنيْتُ أنْ أكونَ قدْ عرَفْتُ جدي». كتابة المَنفى هِيَ أم المواجع، وكما يشي عنوان التغريبة «لملمة أوراق تبعثرت» الصادر عن دار الكتب العلمية ـ بغداد 2019 .

ذكريات الطفولة بين برج البراجنة وكركوك وبغداد الزمن الجميل

تسرد الكاتبة التي وُلِدَت في فلسطين وغُربَتْ عنها طفلةً، وعاشت في العراق حتى عام 1977 وتعيش اليوم في لندن، من جعبة ذاكرتها الطفولية، أن والدها في عام 1950 سافر إلى إنكلترا، في دورة تدريبية ضمن عمله في شركة نفط العراق، فاضطرت هي وأمها العيش في بيت جدتها في منطقة برج البراجنة في بيروت. وهناك كانت جدتها تحمل رزمة من مفاتيح تتأملها وتقول «هذا مفتاح بيتنا بعكا، بيت جدك نجم الدين الله يرحمه، وهذا مفتاح مطحنته اللي كانت في أول السوق» و»عكا اللي بيسلم عليها البحر عالرايحة والجاية». ثُم تستعيد صورة مدينة كركوك التي عاشتها بين 1955-1962 «كانت كركوك في الخمسينيات، مدينة صغيرة على قدر كبير من الحداثة، شوارعها منسقة تتوسطها مساحات، مزروعة بالورد وشجيرات الآس. كركوك مثل بغداد يقسمها إلى جزءين نهر خاصه صو» وتشير الكاتبة إلى ميزة عراقية جميلة، أن العراق يتميز عن كل الدول العربية، بأن الآباء والأمهات يتكنون باسم المولود الأول، بغض النظر ذكراً كان أم أنثى، وتصف بغداد الجميلة التي كانتْ، والتي عاشتها بين الأعوام 1962-1977، حيْثُ كانت تتنقل حسب تنقل والدها في عمله في شركة نفط العراق. كما ترسم حبها لبغداد بأسلوب شاعري «أحببت بغداد حبا لا فكاك منه. سحرني دجلة الذي يتلوى حولها ليحتضن بساتينها، وشوارعها العريضة وبيوتها الواسعة. أحببت أسواقها العامرة وشارعها الشهير، شارع الرشيد، قلبها النابض بالحركة» كما تحكي التحاقها بالإعدادية الشرقية للبنات، التي كانت تديرها واحدة من أشهر الشخصيات التربوية في بغداد، الست لميعة الأورفلي. وتكتب سلوى جراح بأسف قيام السلطات العراقية، بإغلاق جامعة الحكمة، التي أسسها الآباء اليسوعيون، وضمها إلى جامعة بغداد «في يوم شتائي كئيب في بداية عام تسعة وستين، ودعنا في مطار المثنى ببغداد أساتذتنا الذين تعلمنا منهم كيف نفكر ونحلل ونبحث ونحترم تنوع الفكر، وما أزال أفاخر بأنهم علموني، لا لأنهم واسعو العلم والمعرفة، بل لتواضعهم وحرصهم الشديد على توصيل ما لديهم من معرفة لطلابهم، وترسيخ فكرة البحث عن الحقائق والدقة الموضوعية».

الكاتبة تعتمر قبعة الناقد

في هذه السيرة الفلسطينية العراقية النِسْوية، التقاطع بين الواقعي والتخييلي هو جوهر الكتابة الإبداعية، وإلا لما اعتَمَرَتِ الكاتبة قبعة الناقد، لفك شيفرات عملها الروائي بكَشفٍ المُضمَر وإزاحةٍ القناعِ، عن شخصياتها الروائيةِ بهذا الشكلِ الفاضِحِ. لماذا تكشفُ هوياتِ شخصياتها؟ أليس كان أجدى لو أفضت الكاتبة بهويات شخصياتها، بحوار أدبي أو مقابلة وليس ضمن السيرذاتي، عَطْفًا على ما ورد في قصيدة «ماذا يقولُ النهرُ» للشاعرة نازك الملائكة: «لَوْ كَشَفَ الزنبَقُ أسرارَهُ / لَمْ يَبْقَ معنى لشذاهُ العميق» رُبما أرادتْ الكاتبة إضاءة عتمات غابة النص الروائي الشائكة. تفكك الكاتبة رُموز وشيفرات شخصياتها الروائية، وتعترف بأنها مُستقاة من عالمها المعيش، ففي روايتها «صورة في ماء ساكن»- 2014، بديعة ابنة العاشرة، التي شاهدت على شاشة التلفزيون عام 1963، صور إعدام الزعيم عبد الكريم قاسم، هي الكاتبة نفسها. وفي روايتها الأولى «الفصل الخامس» ـ 2005، تحضر صديقتها في الغُربة، المُخرجة العراقية في بي بي سي أولغا جويدة، باسم وليدة الصالح.

بين حسرة قطع النخيل ودمعة الزيتون

عاشَت حلاوة الماضي وعانت وجع الحاضر. احتفَت بطفولتها في العراق الجميل وبشموخَ نخيلهِ في البصرة بين الأعوام 1950-1977، حتى أصبحتِ النخلةُ هويتها ومعشوقتها ورسمتها الجميلة منذ صغرها «صارت النخلةُ بالنسبة لي رمزًا لكل شجرةٍ، وإنْ قيلَ لي ارسمي شجرةً أرسمُ نخلةٌ لأنها بالنسبةِ لي ترمزُ لكل الأشجارِ» لكن حينَ ذُبِحَ العراقُ واقتطعَ نخيلهُ تركَ جراحا وجيبةً في قلبها، هذا ما اعتمل في صدرها حين زارت العراق عام 2010، بعد قطيعة 33 عاما، «لم يَخْطُر لي ببال حينَ كنتُ أعيشُ في ظلالِ نخيلِ البصرةِ أنهُ سيأتي يومٌ تقفُ فيهِ تلكَ النخلاتِ الباسقة، مقطوعةَ الرؤوسِ، تروي ما عاناهُ العراقُ من حروبِ وظلمِ وعسف». كما أن نصفَ قلبها الوجيع، حمل الهم الفلسطيني وعانى وجع اللجوء والاغتراب، فبقيَ يرددُ مع محمود درويش «لوْ يذكُرُ الزيتونُ غارِسَهُ / لصارَ الزيتُ دمعا» لأنها عاشتْ في لبنانَ لاجئةً وغريبةً.
إنها كِتابةُ مواجع، سيرة سيزيفية مُطعمة بذكريات طفولية جميلة، لكن غالبيتها مُترعة بتداخل الأحزان، بدءا بحسرة خسران البيت الأول في عكا، وخراب الوطن الثاني العراق.. سيرة التغريبة الفلسطينية، أضلاعها تعدد أمكنة الغُربة الموحشة والمُشظاة.. وزواياها أوراقٌ مبعثرةٌ.

سلوى جراح





Copyright © elgzal.com 2011-2021 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت