تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
بدعوة كريمة ومؤثرة من جمعية بيت الأكاديميين المتقاعدين العبلينية، شاركتُ هذا الأسبوع كابن قرية اعبلين في اللقاء الشهري الذي ينظمه الاتحاد بصورة دورية، حيث استضافني الإخوة والأخوات أعضاء الجمعية لإلقاء محاضرة مطولة حول مسيرتي الصحفية والمهنية وتجربتي الطويلة في الإعلام والعلاقات الدولية. ولم تكن هذه الدعوة بالنسبة لي مجرد نشاط ثقافي عابر أو لقاء أكاديمي تقليدي، بل كانت مناسبة إنسانية عميقة حملت معها الكثير من المشاعر والذكريات والانتماء، لأن عبلين بالنسبة لي ليست فقط قرية عشت فيها، وإنما هي جزء من الذاكرة والهوية والبدايات الأولى التي تشكلت فيها رؤيتي الفكرية والثقافية والسياسية.
لقد كان في استقبالي الأستاذ جاسر عواد رئيس الجمعية للأكاديميين، إلى جانب أعضاء الهيئة التنفيذية للجمعية، ومن بينهم الأستاذ محمد أبو النيل، والأستاذ فخري شيخ أحمد، والأستاذ عزيز دعيم, المربية سناء حج، المربية زهرة ادريس والمربية وردة خوري إضافة إلى نخبة من الأكاديميين والأكاديميات من أبناء القرية. ومنذ اللحظة الأولى شعرت بأنني لست في لقاء رسمي بقدر ما كنت بين أهل وأصدقاء تجمعني بهم المحبة والاحترام والانتماء المشترك لعبلين. وقد تميز اللقاء بأجواء حميمية وتفاعلية رائعة، حيث ساد الحوار المفتوح والنقاش العميق، وشعرت بصدق الاهتمام من الحضور الذين تابعوا المحاضرة والنقاشات بروح ثقافية عالية ومسؤولية مجتمعية واضحة.
وما أثار إعجابي بصورة خاصة هو حجم التعاون بين أعضاء الجمعية وروح العمل الجماعي الذي يميز هذا الإطار الثقافي والأكاديمي الجامع. فالجمعية لا يقتصر نشاطه على عقد اللقاءات والمحاضرات فحسب، بل يقوم بدور وطني وثقافي مهم للغاية يتمثل في الحفاظ على ذاكرة القرية وتوثيق مسيرتها الاجتماعية والثقافية عبر العقود. وقد شرح لي الإخوة في إدارة الجمعية عن الجهود التي يبذلونها في أرشفة النشاطات المختلفة لأهالي عبلين منذ عشرات السنين، وجمع الوثائق والصور والكتب والمؤلفات التي كتبها أبناء القرية في مختلف المجالات الفكرية والأدبية والعلمية. وهم يعملون على إنشاء مكتبة خاصة تضم هذه الأعمال لتكون بصمة ثقافية وتاريخية لأبناء عبلين وللأجيال القادمة.
وبرأيي، فإن هذا المشروع يشكل خطوة حضارية وثقافية في غاية الأهمية، لأنه يحافظ على الهوية المحلية ويربط الأجيال الجديدة بتاريخها الفكري والثقافي. ففي زمن تتعرض فيه الذاكرة الجماعية للتهميش والضياع، يصبح توثيق التاريخ المحلي عملاً وطنياً وثقافياً بامتياز. ولذلك أكدت خلال اللقاء أن جمعية الأكاديميين في عبلين يمثل نموذجًا فريدًا ومميزًا في المجتمع العربي، وأن هناك حاجة ماسة لدعم نشاطاته واستمراريته من قبل المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والمجلس المحلي ورجال الأعمال في القرية وخارجها.
لقد لاحظت أيضًا أن غالبية أعضاء الجمعية هم من المتقاعدين الذين أنهوا سنوات طويلة من العمل الأكاديمي والمهني، لكنهم ما زالوا يمتلكون طاقات فكرية وخبرات واسعة يمكن توظيفها لخدمة المجتمع. وهؤلاء الأكاديميون والأكاديميات يستطيعون اليوم أن يقدموا الكثير من المبادرات الثقافية والاجتماعية بعد أن أصبح لديهم الوقت والخبرة والرغبة في العمل التطوعي وخدمة مجتمعهم المحلي. ولذلك فإن الاستثمار في هذه الجمعية ليس مجرد دعم لنشاط ثقافي، بل هو استثمار في العقل والخبرة والذاكرة الجماعية للمجتمع العربي.
وخلال النقاش المفتوح، اقترحت على إدارة الجمعية توسيع دائرة التعاون مع المجلس المحلي في عبلين، خاصة فيما يتعلق بالمشروع الجاري لتسمية الشوارع والمباني والمؤسسات بأسماء شخصيات عبلينية بارزة تركت بصمات ثقافية أو اجتماعية أو وطنية. وأشرت إلى أن جمعية الأكاديميين يستطيع أن يلعب دورًا مركزيًا في هذا المشروع من خلال التوثيق والبحث وإعداد المواد التاريخية والثقافية المتعلقة بالشخصيات التي تستحق التكريم والتخليد. كما اقترحت أن يتم إعداد خطة ثقافية متكاملة بالتعاون مع المجلس المحلي والمؤسسات الاقتصادية في القرية لدعم هذه المشاريع وضمان استمراريتها.
ومن الأفكار التي طرحتها أيضًا إقامة “غاليري” أو معرض ثقافي دائم في عبلين بالتعاون بين جمعية الأكاديميين والمجلس المحلي، بحيث يعرض تاريخ القرية وإبداعات أبنائها وإنجازاتهم في مختلف المجالات. وقد جاءت هذه الفكرة نتيجة لتجربتي الشخصية خلال زياراتي المتعددة لدول العالم، حيث كنت أحرص دائمًا على زيارة المتاحف والمعارض المحلية في المدن التي أزورها، لأن هذه المؤسسات الثقافية تشكل ذاكرة حية للشعوب وتعكس هويتها الحضارية. وأعتقد أن عبلين تمتلك من الطاقات الثقافية والتاريخية ما يؤهلها لإقامة مشروع ثقافي من هذا النوع يكون مصدر فخر لأبنائها.
أما في المحاضرة نفسها، فقد تحدثت بإسهاب عن بداياتي مع الصحافة والإعلام منذ الطفولة. وقلت للحضور إن علاقتي بالصحافة بدأت في سن مبكرة جدًا، خلال دراستي في مدرسة راهبات الناصرة في حيفا، حيث كنت شغوفًا بقراءة الصحف والكتب ومتابعة الأخبار السياسية المحلية والإقليمية. وكنت أقرأ الصحف أحيانًا وأنا جالس على شجرة التين في حيفا، في مشهد ما زال محفورًا في ذاكرتي حتى اليوم. وقد لعب والدي المرحوم محسن خليفة “أبو خالد” دورًا أساسيًا في دعمي وتشجيعي، إذ كان يحضر لي يوميًا صحيفة “الجيروزاليم بوست”، الأمر الذي ساهم في تطوير لغتي الإنجليزية وتوسيع اطلاعي السياسي والثقافي.
وفي مطلع السبعينيات انتقلنا للعيش في عبلين، وكان ذلك القرار بالنسبة لعائلتنا خطوة مصيرية وصائبة أعادتنا إلى جذورنا الأصلية. وأذكر جيدًا أن والدي أحضر لي في تلك الفترة وبمناسبة عيد ميلادي بعد نهاية المرحلة الابتدائية كتابًا باللغة الإنجليزية عن حرب أكتوبر للباحث الأمريكي هوارد ساكر، وقد قرأته بتمعن شديد، وكان أول كتاب أقرأه من البداية حتى النهاية بشكل كامل، وربما شكل ذلك بداية حقيقية لعلاقتي الجدية بالقراءة والبحث والتحليل السياسي.
وفي أواخر السبعينيات التحقت بالجامعة العبرية في القدس لدراسة العلوم السياسية والعلاقات الدولية. وعندما سألت والدي عن اختياري لهذا التخصص كشاب عربي، أجابني بكلمات ما زالت ترافقني حتى اليوم: “اذهب وتعلم ما تحب”. وكانت تلك الكلمات دافعًا أساسيًا لي للاستمرار في طريقي الأكاديمي والمهني. وخلال دراستي الجامعية بدأت الكتابة الصحفية في الصحافة الطلابية، ثم انتقلت لاحقًا للعمل في صحف عبرية مثل “كل העיר” و”هآرتس”. لكنني عندما شعرت أن هناك محاولات للتدخل في استقلالية عملي الصحفي، خاصة في القضايا المتعلقة بالشأن الفلسطيني، قررت ترك الصحافة العبرية والانتقال إلى الصحافة العربية الفلسطينية.
وقد شاركت لاحقًا في تأسيس “الفجر العبري” مع الصحفي زياد أبو زياد، وعملت أيضًا محررًا للشؤون الإسرائيلية في مجلة “البيادر السياسي” مع الكاتب جاك خزمو، ثم في صحيفة القدس، قبل أن أؤسس مجلة “السياسية”. وبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، عدت مجددًا إلى عبلين التي بقيت دائمًا المكان الأقرب إلى قلبي.
كما تحدثت خلال المحاضرة عن تجربتي في العمل العام، حين انتخبت مديرًا عامًا للجنة القطرية ولجنة المتابعة بين عامي 1990 و1993، وهذه مرحلة كانت مليئة بالتحديات السياسية والوطنية. وفي عام 1993 سافرت إلى الولايات المتحدة للدراسة في جامعة كولومبيا، حيث تخصصت في الإعلام والعلاقات الدولية، وهناك تعرفت على شخصيات فكرية فلسطينية وعالمية بارزة مثل الدكتور إدوارد سعيد وهشام شرابي ورشيد الخالدي. وكانت تلك المرحلة محطة مهمة جدًا في تطوير رؤيتي الفكرية والسياسية والإعلامية.
بعد عودتي من الولايات المتحدة عام 1996، بدأت العمل بصورة أوسع في تطوير العلاقات الدولية للمجتمع العربي في الداخل، وساهمت في بناء علاقات مع العديد من رؤساء المجالس المحلية العربية ورجال الأعمال والقيادات السياسية. وقد نظمنا زيارات ووفودًا إلى دول عديدة في آسيا وأوروبا، منها اليابان والصين وكازاخستان وأوزبكستان وتايلند وكمبوديا ولاوس، إضافة إلى لقاءات مع قيادات وشخصيات سياسية ودبلوماسية عالمية.
وفي الوقت نفسه، واصلت عملي الصحفي مع صحيفة “الحياة” اللندنية وإذاعة الـBBC، إضافة إلى إعداد تقارير سياسية باللغة الإنجليزية لمؤسسات دولية مختلفة. وفي عام 2006 أسست مركزًا للدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية، قبل أن أؤسس لاحقًا المجلس العربي للعلاقات الخارجية عام 2019، الذي يركز على تطوير العلاقات الدولية للمجتمع العربي، إلى جانب إصدار مجلة “مواقف” الفصلية التي أصبحت منصة فكرية وثقافية مهمة للكتاب والباحثين العرب.
لقد خرجت من هذا اللقاء بانطباعات عميقة ومؤثرة للغاية. وشعرت بأن جمعية الأكاديميين في عبلين ليس مجرد نادٍ ثقافي، بل هو مشروع حضاري وإنساني متكامل يحمل رسالة ثقافية ووطنية حقيقية. كما شعرت أن عبلين ما زالت تحتفظ بروحها الثقافية وقدرتها على إنتاج المبادرات الفكرية الراقية رغم كل التحديات. وكان هذا اللقاء بالنسبة لي بمثابة عودة إلى الجذور والذاكرة والبدايات الأولى، وأكد لي مجددًا أن الاستثمار الحقيقي في مجتمعنا يبدأ من الثقافة والمعرفة والإنسان.