X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
فنجان ثقافة
اضف تعقيب
25/06/2021 - 12:41:40 pm
مع ستيفان تسفايج وجهًا لوجه/ درس في الكتابة الادبية الراقية

مع ستيفان تسفايج وجهًا لوجه/
درس في الكتابة الادبية الراقية

بقلم: ناجي ظاهر



عاش الكاتب النمساوي ستيفان تسفايج حياة صاخبة حفلت بالمعاناة والالام والكتابات المدهشة المؤثرة التي تركت اثارها الملموسة على الملايين من القراء في مختلف انحاء العالم، علمًا ان كتاباته توزعت على الرواية القصيرة/النوفيللا خاصة، المسرحية والسير والمقالات، كما المحت في مقالة سبق ونشرتها عن روايته المشهورة "لاعب الشطرنج"، التي ترجمها الى العربية الكاتب العربي المصري يحيى حقي. وقد انهي هذا الكاتب الهام- تسفايج- حياته منتحرًا برفقة زوجته البزابيث شارلوت تسفايج، في مدينة بتروبوليس البرازيلية عام 1942 وهو في الواحدة والستين من عمره.
بعد خمسة اعوام من انتحاره المفجع، في عام 1947 تحديدا، نشرت مذكراته في مجلد كبير، حمل عنوان "عالم الامس"، ووقع بترجمته العربية في اكثر من 342 صفحة من القطع الكبير، وقد صدرت هذه الترجمة بهمة الكاتب عارف حذيفة. عن دار المدى السورية عام 2007 واتيحت لي قراءتها قبل فترة قصيرة.
ينزف تسفايج في كتاب مذكراته هذا المًا واملًا، ويقدّم صورة تكاد تكون شاملة لاوروبا ابتداءً من الحرب العالمية الاولى وما قبلها حتى الحرب العالمية الثانية في عز نشوبها، وذلك عبر عين مدققة متفحصة ترى ما لا تراه الكثير من العيون، وتقدم بالتالي صورًا مذهلة لما مرت به اوروبا من افراح واتراح، خلال حربين طاحنتين التهمتا الملايين من الوقود البشري، وخلّفتا دمارًا تسبّب في تغيرات جذرية على الحياة في مجمل انحاء العالم.
الى هذا يبدو تسفايج في كتابه داعيًا سلاميًا من طراز رفيع، فهو لا يقف مكتوف اليدين ازاء ما يتعرّض له عالمه من دمار، وانما ينبري لمواجهة غول الحرب إلى جانب كتاب ومبدعين اوروبيين شرفاء، متعاليًا على كونه يهودي الاصل.. وحالمًا بفجر جديد لبلاده والعالم اجمع، وهو ما لم يتحقّق في حياته فوضع حدًا لحياته بيديه.. كما سلف.
اهتمام تسفايج هذا بتقديم صورة دقيقة وصادقة للفترة التي عاشها، غلب على معظم صفحات كتابه هذا، باستثناء عدد من الصفحات تحدث فيها عن رؤيته للأدب والكتابة الادبية، والنجاح الذي حققه واسبابه، اضافة الى آرائه في العديد من الشخصيات الادبية والفنية التي التقى بها في حياته مثل الكاتب رومان رولان، الموسيقي شتراوس والفنان رودان، وما اتصفت به من هذه الشخصيات من تواضع وطموح يرى تسفايج، انها من صفات المبدعين العظماء.
اتوقف فيما يلي عند بعض من آرائه في الكتابة الادبية، لأهمية ما يطرحه عبرها من رؤى مثيرة ومختلفة، فهو، مثلًا، يعزو نجاح كتبه غير المتوقع بالنسبة له، كما يقول، الى انه قارئ غير صبور، وذو مزاج خاص. يقول:" ان كل زيادة وكل زخرفة، واي شيء غامض ومبهم وكل ما يعيق نمو الرواية، او السيرة، او المناقشة الفكرية، بزعجني، فالكتاب الذي يحافظ باستمرار على مستواه صفحةً بعد صفحة، ذلك الكتاب الذي يستحوذ على اهتمام القارئ استحواذا تاما حتى السطر الاخير، هذا الكتاب فقط، هو الذي يمنحني متعةً كاملة. ويوجّه تسفايج سهام نقدة الى تسعة اعشار الكتب التي يقرأها. فيقول: "يتفق ان اقرأ هذه الكتب التي تتصف بالتوسع الشديد والوصف الزائد عن الحاجة، والحوار كثير الكلام والشخصيات الصغيرة التي لا ضرورة لها، لذلك هي تفتقر الى القوة الجاذبة والقوة المحركة، وحتى في معظم الاعمال الشهيرة تزعجني الصفحات الرملية الرتيبة، وكثيرًا ما اقترحت على ناشرين فكرة جريئة هي نشر سلسلة كاملة من ادب العالم ابتداء من هوميروس انتهاء بكل من بلزاك ودستوفسكي مرورا برواية "الجبل السحري" لتوماس مان، مع حذف تام لكلّ ما هو زائد فيها، عندئذ يمكن ان تكتسب كل تلك الاعمال التي لا يشك في قيمتها الخالدة، حياة جديدة. وتأثيرًا جديدًا في حياتنا؛ ويفصل تسفايج رأيه هذا فيقول: ان هذا النفور من كل زيادة واطناب ممل، كان لا بد ان ينتقل بالضرورة من قراء كتب اخرين الى كتابتي، وان يكسبني بالتالي حيطة خاصة، وانا اكتب عادة في يسر وطلاقة، وفي المسودة الاولى لأي كتاب، اترك خيالي يفر معي. ولا اكبح قلمي، وفي السيرة استعمل بالمثل كل التفاصيل المتوفرة في الوثائق اولًا، ففي حين التحضير لكتابة ماري انطوانيت، مثلا، فحصت في واقع الامر كل الوقائع المسرودة حتى احدّد مقدار انفاقها الشخصي، فانكببت على قراءة الصحف والكراريس المعاصرة لها، واستقصيت الوقائع القانونية حتى اخر نقطة، لكن الكتاب المطبوع لا يبقى فيه سطر واحد من كل ذلك، اذ قلما يكون هناك مخطوط نظيف معد للطبع قبل ان ابدأ العمل الفعلي، وهو التكثيف والتنسيق، وهذه المهمة لا استطيع القيام بها كما ينبغي تمامًا. من نسخة إلى اخرى، لا هوادة في رمي اثقال السفينة، واحكام البنية الداخلية وتوضيحها دائمًا، اذ لا يستطيع كثيرون ان يحملوا انفسهم على رفض شيء يعرفونه، فيسعون، حبًا بالجمل المعقدة الكاملة، لإظهار ما ليس عندهم من عمق واتساع، وما اطمح اليه انا على الدوام، هو ان اعرف اكثر مما يكشف عنه السطح. ان عملية التنسيق والمسرحة تتكرر مرة، ومرتين، وثلاث مرات، في الطبعات التجريبية، وفي النهاية تصبح نوعًا من البحث البهيج عن جملة اخرى، او حتى مجرد كلمة لن يقلّل غيابُها من الدقة، ومع ذلك قد يسرّع الوتيرة في الوقت ذاته، والحق هو ان الاختصار يمنحني اقصى بهجة، واذكر انني ذات يوم، عندما نهضت من عملي متهلل الوجه سألتني زوجتي: انني احسنت وصف شيء لا محالة. فأجبت باعتزاز: نعم لقد استطعت ان اقضي على فقرة اخرى كاملة، وبالتالي انجزت مزيدًا من التواصل السريع، وعليه اذا اطريت رشاقة كتبي احيانًا، فهذه الصفة لا تدين للحرارة الفطرية، او الانفعال الداخلي، بل لذلك المنهج المطرد للحذف المنظم، لكل التوقفات والاستهلالات الزائدة عن الحاجة، وان كنت اعي فنًا يخصني، فهو قُدرتي على الاستغناء، فانا لا اتذمر ان شقت طريقها إلى سلة المهملات ثمانمائة صفحة من اصل الف صفحة مخطوطة، وبقي بعد الغربلة مئتا صفحة فقط، هي الجوهر، وان كان ثمة شيء يعلّل تأثير كتبي جزئيًا، فهو ما احرص بالمواظبة عليه من تقيد بأكثر صور التعبير تحديدًا، وبالجوهر منها بلا ريب، وقد اسعدني ذلك للغاية، انا الذي فكر دائمًا تفكير المنتمي إلى القارة، تفكير المتخطي للقوميات، ان يعلن اهتمامهم بي ناشرون من فرنسا، بلغاربا، ارمينيا، البرتغال، الارجنتين، النرويج، لاتفيا، فنلندا والصين. وسرعان ما ابتعت خزانة جديدة لكي احفظ فيها الترجمات المتنوعة، لقد قرأت ذات يوم، في احصاءات منظمة التعاون الثقافي، التابعة لعصبة الامم في جنيف انني اكثر المؤلفين ترجمةً في العالم.
بوح ادبي مثير وراق.. اقترح عليكم، قراء وكتابا، التمعن فيه، كما فعلت.




Copyright © elgzal.com 2011-2021 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت