تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
قراءة في كتاب "التفكير الشامل: الإنسان وكونه"
المحامي علي أحمد علي حيدر
إنني معجب بكثير من الأفكار والتوجهات التي يطرحها المفكر الفرنسي المعروف إدغار موران من خلال كتبه وإصداراته ومحاضراته المتعددة. يُعَدّ موران أحد أهم المفكرين في القرن العشرين، فهو عالم اجتماع وفيلسوف ومتمكن من تخصصات علمية متعددة. (يبلغ عمره الآن ١٠٤ عاماً وما زال يعمل ويكتب، وقد عبّر عن مواقف شجاعة وإنسانية بكل ما يتعلق بالعدوان على قطاع غزة).
وقد صدرت في الفترة الأخيرة ترجمات قيمة إلى اللغة العربية لعدد من كتب موران الحديثة والجديدة، التي كان قد نشرها في الأصل باللغة الفرنسية.
أحد هذه الكتب هو "التفكير الشامل: الإنسان وكونه"، وهو عبارة عن مجموعة من المحاضرات ألقاها موران في جامعة باريس الأولى - بانتيون سوربون، بمبادرة من مؤسسة "بيت علوم الإنسان" في فرنسا.
يشتمل الكتاب على توطئة مقتضبة لعالم الاجتماع المعروف ميشال فيفوركا، وسبعة فصول:
1. الكائن البشري والثالوث البيولوجي والاجتماعي والأنثروبولوجي.
2. الفرد البشري
3. ظهور الكائن البشري
4. الإنسان في الكون
5. الحقبة العالمية
6. المستقبل: محتمل وغير محتمل
7. التفكير المركّب والتفكير الشامل
الكتاب مهم وغني ومثير جداً. يمكن الاتفاق أو الاختلاف مع موران في موضوعات معيّنة، ولكن بلا شك أنه يقترح منهجاً نظرياً ذا تطبيقات عملية، ويقدّم فكرة التركيب من أجل رؤية الصورة الكاملة بكل عناصرها، رافضاً الفكر الاختزالي الأحادي الاتجاه.
كما يدعو موران إلى الاهتمام بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، والحذر من تطور التقنية، وضرورة العناية بالطبيعة والمحافظة على البيئة.
يقول موران:
"ما دمنا لا نُعلّم البشر من هم، ستظل معرفتنا بذواتنا تشكو من فجوة خطيرة إلى أبعد الحدود، ومن نقص شديد الضرر، وإنّ هذا النقص لمن أكبر مصادر الوقوع في الخطأ والأوهام عن أنفسنا وعن حيواتنا".
ويضيف:
"لقد تجاهلت قرون من الهمجية، بما في ذلك تاريخنا الحديث، إنسانية الآخرين، إنسانية مجموعة عرقية أخرى أو أصل آخر أو ديانة أخرى، وها أن هذه الهمجية تعود من جديد...
لا شك أن المعرفة المُلِمّة بالكائن البشري بكل ثرائه المركّب هي أمر ضروري، ويمكن أن تساهم في تحسين العلاقات بين البشر، هذه العلاقات التي تعاني من الهمجية، ليس فقط بين الشعوب والأديان، وإنما أيضاً - وفي كثير من الأحيان - بين الناس حتى في نفس المكتب ونفس الجامعة.
تصبح العلاقات همجية عندما لا نفهم الآخر إلا من خلال الحكم عليه: «أوه، إنه مجرد أحمق»، أو «أوه، إنه مجرد وغد!»، أو عندما نحطّ من الآخر إلى مرتبة الكلب أو الخنزير أو الحثالة.
فأعداء الفهم هم اللامبالاة، والازدراء، والكراهية؛ أما الفهم فيشتمل في الوقت نفسه على الاعتراف بالآخرين، والشعور بالإنسانية المشتركة معهم، في كنف احترام اختلافهم."
اهتمامات موران ليست محصورة أو مقيدة بتخصص واحد، بل يدمج التاريخ، وعلم الاجتماع، والفلسفة، والاقتصاد، والفيزياء، والبيولوجيا، والإيكولوجيا، وعلم الإناسة، ويطرح أسئلة ملحّة، ويحاول اقتراح أجوبة، ويتحدى أفكاراً وأيديولوجيات ورؤى مهيمنة في الفكر الغربي.
فعلى سبيل المثال، يقول في معرض نقده لفكرة التقدّم:
"يجب علينا أن نتساءل عما سنغنمه وعما سنخسره فيما يُسمّى تقدّماً، لأنه يؤدي إلى انتكاسة غير مرئية أحياناً، أو على الأقل غير قابلة للقياس الكمي. وكما ذكرت آنفاً، يتسبب رُقينا المادي في تدهور العيش المشترك والعلاقات الإنسانية."
كما يؤكد على أهمية العلاقة بين الفرد والمجتمع، وينتقد العولمة ويميزها عن الكوكبة، ويتحدث عن انحسار إمكانية التنبؤ بالمستقبل.
وقد لفت انتباهي سرده وتحليله للكثير من الأمور التي لم تكن متوقعة وحدثت في الواقع.
ويؤكد أيضاً على ضرورة عدم القطيعة مع الماضي، وينتقد العقلانية الزائفة، كما خصّص فصلاً قصيراً وجميلاً "لنثر الحياة وشِعرها".
لا يمكن من خلال هذا الحيز الضيّق استعراض الكتاب ونقده بشكل شامل، ومع ذلك حاولنا تقديم بعض الشذرات.
لقد عكف على ترجمة الكتاب المنتصر الحملي. صدر عن دار صفحة ٧، عام ٢٠٢٢، الجبيل، السعودية ويشتمل على ١٤٢ صفحة.
