تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
ملاحظات اختزاليّة عن المعرفة أو
وَوَضْعُ النَّدَى في مَوضِع السيفِ بالعُلا مُضِرّ كوضعِ السيفِ في مَوضِع الندى (المتنبي)
كتب الشاعر مرزوق الحلبي
ـ أنا من الذين يعتقدون أن المعرفة تأتي بعدة طُرق ومنها التأمّل العرفانيّ العميق (على طريقة فلسفة التاو) وليس فقط من التجربة أو من التعلّم المنهجيّ القائم على البرهان العقلي والمنطقيّ والتجارب العلمية الإمبيريقيّة. والتأمّل هنا قد يحصل استعانة بمعارف سابقة من مجال المعرفة العلمية المكتسبة بالدراسة أو بدونها. لقد مررت بنفسي بتجارب أدركت فيها الأشياء والـ"حقائق" من خلال التأمّل في الظاهرة أو في الحالة. وهذا صحيح لغيري، أيضا. وكي أكون علميًا في قولي هذا إلى حدّ مُقنع أحصر هذا النوع من المعرفة في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانيّة. سيكون غير منطقيّ أن أدّعي أنه ممكن في علم الرياضيات أو النانو ـ تكنولوجيا.
ـ لم يرُق للحداثيين ما قاله مفكّرو ما بعد الحداثة عن نظريّاتهم من أنها "وعد كاذب" أفضت إلى سرديات انهارت مستجلبة على البشريّة فظائع أبرزها ما رافق الحرب العالمية الثانية وأنواع الأنظمة التوتايتارية في ألمانيا واليابان وإيطاليا وإسبانيا وروسيا السوفييتيّة. ولم يرق لهؤلاء ـ مفكري ما بعد الحداثة ـ ما قاله عنهم السيميائيّون ولا التفكيكيون الثقافويون لجهة افتقار نظريّاتهم إلى إثباتات وركائز راسخة وتفضيلهم الهروب من تحدّي الاجتماع البشريّ المعقول ومُثل المدينة الفاضلة والنضال من أجل التغيير إلى التبشير بأن قدره محتوم بالفشل وأن لا أمل في إصلاحه. ولم يرق للأخيرين ما جاء به علماء الاجتماع الجدد (وأبرزهم المُعاصر زيغومند باومان) لجهة التأشير على السيولة في كل شيء بما فيها المعارف والحاجة إلى تعديلها بروح ما أحدثته العولمة من سيولة سريعة في كل شيء بما فيها اللغة والمصطلحات وانتقال العالم من مركزية الإنتاج ووسائله إلى مركزية الاستهلاك وفنونه. للقول أن الفكر البشريّ مرّ بثلاث قفزات في أقل من 70 عامًا، وإنه سيواصل قفزاته كما يبدو بينما بعض الذين يلبسون ثوب المعرفة في ثقافتنا غير مستعدين للاستفادة مما تراكم في العقود الأخيرة من معارف وفكر مفضّلين الركون إلى نظريات "مُطمئنة" تحميهم في مواضع الراحة، أو قُل الكسل المعرفيّ.
ـ المعرفة مُكلفة أفنى الكثيرون أعمارهم في بناء أسسها ومناهجها. وأبرز ما نشأ من عملية البناء/الهدم هو التركيز على البرهان العقلي في الكتابة العلمية. ومنها، أيضا، تثبيت المراجع المؤسسة للمعرفة في هذا المجال أو ذاك. ومنها، أيضًا، تسلسل البراديمات العلمية ونشوئها طبقة فوق طبقة في إثر طبقة إلى يومنا هذا. بمعنى نشوء نظريّة من أخرى وعلم من علم. وقد تبيّن الدارسون نظامًا يعود على نفسه: نظرية ونظرية مضادة ومزج بينها، برادايم وبراديم مضاد ومزج بينهما، وهكذا. هذا يعني إن المعرفة لا يُمكنها أن تكون كطبيخ النور إذا صحّ التعبير أو رُقعًا رُقعا ومُزقًا مُزقًا تطيب لنا كلّما هممنا أن نقارب مسألة. هي معرفة مُقنِعة أو غير مُقنعة ـ ومُقنعة هنا بالنسبة للعقل العلمي غير الكسول.
ـ لم تنج المعرفة في كل الحقَب التاريخية من الغائيات والإيديولوجيات وأرباب السياسة. وقد تمّ تحريف نظريات واستثمار معارف في غير موضعها ولغير أهدافها. بل استعملت النُظم السياسيّة الحديثة المعارف والعلوم والأكاديميا كأدوات للسيطرة والتحكّم وإدامة الاستعمار أو الاحتلال أو الظلم. وعليه، المعارف هي جزء من الموارد في الصراعات داخل الدول وبينها وداخل المجتمعات والشعوب. بمعنى، أن هناك معارف في كل مجال وحقل، لا سيّما في حقل الاجتماع والعلوم الإنسانيّة ستُستخدم على نحو إيديولوجيّ ضد الإنسان وفكرة الاجتماع المعقول.
ـ من العارفين في كلّ مكان مَن يتمتّع باستقامة أدبيّة معرفية ومنهم مَن يصير طاووسًا بمعرفته متغطرسًا مدّعيًا خاصة عندما يصرّ أن نظريّة ما درسها وكتب عنها هي حبل النجاة للبشريّة. وقد حصل في ورشة أدرتها أن إحدى الأكاديميات أصرّت أن موضوع تخصّصها هو أهمّ مسألة في حياة شعبنا وقد عطّلتنا نصف يوم عن ورشتنا بسبب عنادها. هناك مَن يعتقد أن موضوع تخصصه ومعرفته هو أهم موضوع في حياة البشر وعلى الجميع أن يُدرك ذلك. فهو إذا كتب، فعل بقدر كبير من الغطرسة والتبجّح والادّعاء المقيت. والمعرفة الحقّة وإن أكسبت صاحبها بعض مكانة أو جعلته يتقاضى أجرًا عاليًا في سوق العمل، لا تجعله أفضل من غيره ولا أعرف من غيره في مجمل "معارف الحياة"، وهذا وحده ينبغي أن يُفضي بالعارف إلى التواضع. ولو من باب أن كثرة المعرفة واتّساعها تشمل فيما تشمل الإدراك أن واحدنا في هذه الحالة بالذات "لا يعرف"!
ـ صادفت لا سيّما في مجال الأدب والنقد الأدبيّ ظاهرة مُقلقة في صلبها حشر نصوص أدبية جميلة بين فكيّ النظريات الأدبيّة والفلسفيّة عنوة. فقد يكون النص جميلًا حدّ الدهشة وبسيطا حدّ البكاء، وقد يكون صاحبه أكثر بساطة وبُعدًا عن النظريّات وأصحابها، إلّا أن "الناقد" يُقدم عليه وعلى نصوصه من خلال أدوات نظريّة يتخصّص فيها ويعرفها ويُعملها فيه وفي نصوصه حفرًا ونقرا وسبرًا وقياسا فإذ بالنصوص وصاحبها في غربة أو منفى. في أرض نظريات غريبة فجّة وعنيفة تمزّق بساطته ونصوصه إربًا وتشلع قلبه هو شلعًا. بمعنى، أنه المعرفة ينبغي أن تُستعمل على قدر حاجتها. لأن استظهارها يرسم مشهدًا قبيحًا في اللغة وفي الثقافة. وكان المتنبي قال في بيته الشهير الجميل الحكيم:
وَوَضْعُ النَّدَى في مَوضِع السيفِ بالعُلا مُضِرّ كوضعِ السيفِ في مَوضِع الندى
