تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
الميل الأخضر...
بقلم:رياض خطيب
_ مرحبًا يا جون.
مرحبًا يا سيدي..
_ هل تعرف يا جون بأنّه اقترب موعد التنفيذ...؟؟
_ نعم أعرف يا سيدي بعد يومين..!!
_ هل ثمة طعام خاص تريد أن نحضره إليك ليلة التنفيذ!؟؟
_ ربما بعض البطاطا المهروسة. وقليل من البامية وخبز الذرة اللذيذ الذي تعده زوجتك. إن لم يكن لديك مانع...
_ بالتأكيد.! ماذا بشأن قسيس يتلو الصلاة معه؟؟
_ لا أريد قسيسًا ؛ يمكنك أن تتلو الصلاة أنت يا سيدي.
_ أريد أن أسألك عن شيء مهم الآن!!
_ أعرف ماذا ستقول.!! لا داعي لتقوله.
_ لا بد أن أقوله... أخبرني ماذا تريد أن أفعل!؟ أتريد أن أخرجك من هنا؟؟ أتركك تهرب!؟؟؟
_ ولماذا ترتكب حماقة يا سيدي!!
_ في يوم الحساب عندما أقف للحساب أمام ربي ويسألني لماذا قتلت واحدة من معجزاتي!! ماذا أقول للرب يا جون!؟؟
_ قل للرب إنك فعلت ذلك لرغبتي أنا!! أنا أعرف أنك تتألم وفي حيرة وقلق؛ يمكنني معرفة شعورك لكن
يا سيدي عليك التوقف عن هذا.. أنا تعبْت يا سيدي أريد أن أنتهي من هذا.. تعبْت من قسوة الناس على بعضهم وهذا الألم الذي يتسبب لي—تعبت من تجوالي وحيدًا يا سيدي كالعصفور تحت المطر.. تعبْت من عدم وجود صديق يرافقني، تعبْت يا سيدي من الألم والعذاب الذي يرافقني طوال الوقت..
_ أظن أنني قد فهمتك يا جون.. هل تريد شيئًا آخر يا جون!؟؟
_ نعم يا سيدي أريد أن أشاهد فيلمًا سينمائيًا. لم أَرَ بحياتي أي فيلم......
هذا الحوار الجميل الذي يسري بداخل الروح الإنسانية كما يسري الدم في شرايين الإنسان، هو الحوار الذي جرى بين بول السجّان وبين السجين جون كوفي قبل تنفيذ حكم الإعدام..!!؟؟
وهذه إحدى مشاهد هذا الفيلم الرائع والذي نحن بصدد الحديث عنه "الميل الأخضر" أحد إبداعات الممثل توم هانكس صاحب الأسلوب المميز في الأداء والتمثيل السينمائي وهو يتمتع دومًا بروح الكوميديا الساخرة في معظم أفلامه؛ يزرع الابتسامة ويدغدغ عقل المشاهد..
والفيلم هو عبارة عن فلاش باك عن طريق أن بول نزيل بيت المسنين يريد أن يروي لصديقته في النزل جانيت عن الحدث الذي غيّر مجرى حياته وما زال حتى هذه اللحظة وقد تخطّى الـ١٠٨ من عمره.
بول مسؤول عن جناح تنفيذ حكم الإعدام بالسجن هو وبعض زملائه يقومون بالحجز والاعتناء بنزلاء هذا القسم حتى يحين موعد تنفيذ الحكم الذي أقرّته المحكمة الفدرالية.
وهو يصوّر واقع هذا الجناح وعلاقة السجناء ببعضهم وعلاقتهم بالسجّانين وبطبيعة الحال هناك الكثير من التحديات والاستفزازات المتكررة من قبل السجناء تجاه السجّانين وتجاه رفاقهم بالسجن وخاصة ديل الذي يربي فأرًا يعتز به ويهتم به وكأنه ابنه المدلل وقد أطلق عليه لقب جينيفر ماوس؛ دائم القلق والاهتمام به حتى بعض دخول جون كوفي السجين الزنجي الضخم والمتهم باغتصاب وقتل طفلتين من البيض مما يحول مجريات الأمر لمجرد انتقام عنصري ويكشف حقيقة الواقع الأمريكي المشبع بالعنصرية والكراهية.
دخول جون إلى السجن هي نقطة التحول الأساسية بمجريات هذا الحدث الدرامي بحيث يقوم أحد السجانين بدهس الفأر بقدمه وقتله مما يثير غضب وحزن صاحب الفأر ديل، ولكن جون أمام بكاء وحزن ديل يطلب من بول أن يجلب له الفأر الميت وبعد أن يضعه بين يديه تتدفق عواطفه الإلهية والمحبة العارمة إلى معجزة تستطيع أن تحقق إعجازًا ربانيًا وإعادة الفأر إلى الحياة من جديد
؟؟؟
هذا الموقف يذهل بول ورفاقه السجانين من معجزة جون ومكانته الخاصة وبعد أن يتأكد لهم بأن جون بريء من قضية اغتصاب وقتل الفتاتين ولكنهم يفتقدون إلى الدليل المادي لإثبات ذلك!؟؟
ولكي يتحققوا من حقيقة إعجاز جون يصحبونه إلى بيت آمر السجن لكي يحقق معجزة شفاء زوجة آمر السجن التي كانت تنتظر لحظاتها الأخيرة في هذه الحياة وبعد نقاش وحوار يوافق آمر السجن بأن يقوم جون بمحاولة شفاء الزوجة من مرضها الخبيث، وبعد أن تستعيد وعيها وعافيتها تقبل جون وتهديه عقدًا تضعه برقبة الحارس الذي يحميه من شياطين الإنس والجن.!؟؟
وبعد أن يشاهد جون الفيلم وهو فيلم غنائي وعلى إيقاع اللحن يرقص البطل والبطلة رقصة فالس تعجب جون جدًا.. وفي صباح اليوم التالي يساق جون برفقة بول وحرّاس القسم إلى محطة التنفيذ حيث يطبق حكم الإعدام بالكهرباء حتى الموت... ما أثار ذهول الحراس ومشاهدي الإعدام، فقد طلب جون أن ينفّذ الحكم بدون وضع غطاء على وجهه كما هو متبع ويتم التنفيذ وجون يعتصر الألم بل أكثر من ذلك؛ يبدأ بالغناء "أنا بالنعيم، أنا بالنعيم..."
وسط دموع السجانين الذين لم يتمكّنوا من كبح جماح دموعهم وحزنهم القاتل لأنّهم تأكّدوا من براءة جون واعتبروا أعمالهم من معجزات الرب...
ينتهي الفلاش باك ونلاحظ بول يمسح دموعه أمام صديقته جانيت من بيت المسنين..
"وكان ذلك اليوم آخر يوم لي في هذا القسم؛ طلبت نقلي إلى قسم آخر وقد تم ذلك بالفعل انتقلت مع رفيقي مايك إلى قسم الشبيبة والجُنُوح خدمت حتى خرجت إلى التقاعد...
جانيت: كنت قد أخبرتني بأنه كان لك ولجون ابن مشترك وهو الآن يكون قد تخطى الـ٧٥ عامًا ، أين هو وما جرى له!؟؟
بول: _ آه نعم.. هيا بنا ارتدِ المعطف لنقوم بجولة بالغابة..
وعند وصوله إلى ذلك الكوخ القديم يفتح الباب ويطلب منها الحذر....
بول: _ مرحبًا أين أنت يا صديقي..
ويشير إلى صندوق قديم وفجأة يخرج من داخل الصندوق فأر هرم تبدو عليه علامات الشيخوخة والكِبَر يخرج من جيبه قطعة من كعكة يقدمها لصديقه الفأر
الذي يرحّب بالفكرة ويتلذذ بالتهام الكعكة.....
"لقد كبرت؛ أقصد كبرنا أنا وصديقي جينيفر. لقد تجاوزت الـ١٠٨ أعوام وكان هذا نصيبي من ذلك الميل الأخضر والذي تحوّل بفعل جون كوفي إلى ميل المعجزات وكان نصيبي إطالة عمري. لقد فقدت أعز الناس لدي؛ فقدت زوجتي الحبيبة الطيبة وفقدت ابني وأعز زملائي وأصدقائي وبعد قليل سأفقدك أنت يا جانيت. يا إلهي أريد أن يتوقف هذا. صحيح أنني لن أخلد ولكن آن الأوان أن أستريح وأتوقف عن رؤية أعز الناس لدي يتساقطون واحداً تلو الآخر....
فيلم رائع بكل المقاييس من ناحية حرفية الإخراج والتمثيل وباقي الأدوات الفنية التي تجسد وحدة مهنية الإبداع السينمائي لكي ترسم جمالية وعبق الأفكار الإنسانية الرائعة والتي أراد المخرج وكاتب السيناريو أن يقدّمها إلى فكر وعقل المشاهد متعة فنية وفكريّة بكل المقاييس.
