تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
قد يُحالفك الحظّ بلقاء أناس "من طينة أخرى". أناس سيدهشونك بمعارفهم واهتمامهم بالتفاصيل ودفئهم وعقلهم الواسع. ستهتمّ لكل ما يقولون ويكتبون. القرب منهم غنى وتجربة باقية.
هكذا كانت الأمور مع المعلّم إميل حبيبي الذي "اكتشفني" واستدعاني إلى "الاتحاد" عشيّة صدورها يومية وقبلت دعوته أن أترك الجامعة لأنّ "الاتّحاد" أشرف جامعة. ولم يُخطئ.
سأسلّط الضوء هنا على ميزتيْن اثنتيْن في هذه التجربة وفي المعلّم. ليس لأنهما الأهمّ أو الوحيدتان بل لأنهما وراء جيلين من الذين ظلّوا على الكتابة وعلى الإبداع إلى يومنا هذا.
الأولى ـ إصراره في نقل معارفه وتقنيّاته وأسرار الكتابة والتفكير إلى سواه. منهجيته في تدريب الآخرين على السير السويّ والجميل في أرض الكتابة ومعارج اللغة. يطلب أن نقتحم مجالات وحقول جديدة وألّا نهاب. يحثّنا على أن نجرؤ ونتقدّم وسيكون هناك إذا زلّت القدم. "اكتبوا وسأتتبع خطاكم!" "اكتبوا وسأكون كريمًا في ملاحظاتي."، "احسبوا الكلمات ولا تُسرفوا!"، "صوّبوا اللغة إلى قلب الفكرة."، "امحِ هذه الجملة الاعتراضية واشطبوا هذا النعت كي تصح العبارة." وصحّت.
الثانية ـ ثقته بمَن أثبت اقتداره. اطمئنانه لمَن استطاع أن يتعلّم اللغة والكتابة والتفكير الحرّ. كان يثق بالآخرين ويفتح أمامهم باب التجريب. ينتدبنا على الصفحات الكاملة وعلى كتابة كلمة العدد، ومن ثم على الجريدة كاملة. لم يتردّد يومًا في الدفاع عنّا وعن خياراتنا أمام الحزب والرفاق المحتجين أن خبرًا نُشر على هذا النحو أو أن خبرًا لم يُنشر.
في الحالتيْن كان أبو سلام مُخلصًا للذين أجادوا العمل وكان لديهم الاستعداد للتعلّم فاكتسبوا المعرفة التحريريّة والفكريّة وأبدعوا. وبالإخلاص نفسه كان يقول للذين لم يفعلوا أنهم لم يفعلوا. كان الجميع هناك رفاقًا لكنّه كان يبحث بينهم عن الصحفيّ الجيّد وعن الذين يستطيعون أن ينهضوا بصحيفة يوميّة أراد تحويلها من "صحيفة حزب" إلى "صحيفة شعب" وقد نجح. وقد عثر عليهم عن طريق التجربة والخطأ، ورافقوه بنشاط على مدار الساعة كي تبلغ "الاتحاد" في أواسط الثمانينيّات من القرن الفائت ذروتها وظلّت هكذا إلى ما قبل بداية الصراع على تحريرها.
من هنا، من الطبيعيّ أن نسمّيه المعلّم. فقد استطاع أن يعلّم الراغبين بالتعلّم وأن يسندهم بحكمته ومعرفته. فالمعارف التي تحصّل عليها أضافها إلى معارفهم بسخاء. وخبرته الطويلة أضافها إلى خبرتهم ودراستهم وكان بعضهم قد تحصّل على دراسة أكاديميّة. حتى النوادر الدالّة التي كان يعثر عليها في الكتب كان يُمرّرها إليهم على الفور. يُنادينا ويقرأ ثم يضحك ونضحك معه للمعرفة. كان أبو سلام يفعل ذلك مع شعبه وقرّائه، أيضًا. يكتب دون توقّف كلامًا ذا معنى. وفي حساب الكمّيّات والنوعيّات يُعتبر أبو سلام من أغزر الفاعلين في هذا الباب. فليس صدفة ـ كما أقول للأصدقاء عادةً ـ أنه واضع اللغة السياسيّة للفلسطينيين في إسرائيل حتّى الثمانينيّات من القرن الفائت ـ وهذا موضوع لمادّة أخرى.
لروح المعلّم السلام.
برلين ـ 2 أيار 2026
