تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
عن قلوب هي خوارزميّات محزّزة
بقلم:مرزوق الحلبي
مرّ رحّالة على فلّاح صينيّ ورآه يحمل الماء من الترعة القريبة ويسكبه في أثلام مزروعة في حقله القريب. سأله: لماذا تُتعب نفسك وتهدر طاقاتك على فعل كهذا، ألم تسمع بالناعورة التي تفعل ما تفعله أنت بوقت أقلّ وبنجاعة أكبر؟ فأجابه الفلّاح: "أعرفها جيّدًا لكنّي أفضّل مواصلة العمل على الطريقة التي ورثتها، لأنّ مَن يستعمِل الآلة سيصير قلبه آلة!". أتذكّر هذه الواقعة في ضوء ما بدا أنه سجال المرحلة، سجال العلاقة بيننا وبين الذكاء المصنّع. سجال لا يخلو منه موقع ولا منصّة ولا شبكة. وهو في رأينا يتعدّى مسألة الموثوقيّة في "معارف" الذكاء المصنّع والأثمان الجارية، إلى أثمان أعمق عادة ما لا تطاولها السجالات، وهي من النوع الذي ورد في حكمة الفلّاح الصينيّ أو تلك التي تسجّلها وقائع الحياة ويُحاول علماء الاجتماع على تخصّصاتهم أن يلتقطوه ويسمّوه.
قبل عقود قليلة نشأت في اليابان ظاهرة اعتكاف الشبيبة والشبّان في بيوتهم متّصلين بأجهزة الكمبيوتر وما تقترحه عليهم، خاصّة الألعاب والعوالم التي يدخلونها "فاتحين" أو "مشاركين". يقضون أيامهم، ساعات على ساعات، لا نوم ولا حركة ولا طعام في مواعيده، يجلسون هناك لا يبرحون غُرفهم. الأمر الذي ترك أثره في أجسادهم وهيئاتهم ونفسيّاتهم. وقد اصطلح علماء الاجتماع على الظاهرة باسم "Hikikomori"، وقد لوحظ أنها بدأت تنتشر في مجتمعات أخرى لا سيّما مع التحوّلات التكنولوجيّة الهائلة في عوالم الحاسوب والسلع والخدمات اللانهائيّة التي تقترحها هذه السوق. في مستوى آخر للعلاقة بالتكنولوجيا تتّسع الأبحاث التربويّة في مدى التأثير الحاصل للتلاميذ من تكنولوجيا الحاسوب والاتّصالات لجهة تشتّت التركيز وفائض العصبيّة والنزق وانعدام الصبر والاضطرابات في السلوك. وتُشير أحد التقديرات إلى أن الأمر نابع من حقيقة أن المسافة بين كبسة الزرّ ـ الطلَب ـ وبين تلبيته في العالم الافتراضيّ وتكنولوجيا الحاسوب هو ثانية أو أكثر قليلًا، وهو غير ممكن في الواقع الفعليّ. كما أن الفجوة تزيد بين عالم افتراضيّ يعيشه التلميذ لساعات طويلة يصيبه بما يشاء، وبين عالم واقعيّ لا يستجيب لاحتياجاته ورغباته وأحلامه.
هناك إشارات تأتينا من حقول أخرى عن تأثير التكنولوجيا في جسد الإنسان وحواسه. ففي مجال طبّ العظام مثلًا، اكتشف العاملون في المجال أن هناك أثريْن مباشريْن جرّاء الإدمان على التحديق في شاشات الأجهزة الذكيّة واستعمال الأصابع وأكفّ الأيدي في ملازمة لوحات المفاتيح. الأوّل ـ انزياح زاحف في فقرة أو أكثر من فقرات العمود الفقريّ العليا يتسبب بألم موضعي وبألم في الرأس. والثاني ـ آلام وأورام في الأصابع والأكفّ جرّاء الاستعمال الزائد لـ"الفأرة" في وضعيّات شبه ثابته. أمّا خبراء البصريّات فيُشيرون إلى انزياح واضح في عدسة العين المصوّبة لفترات طويلة إلى أسفل لدى الأطفال والناشئة. بمعنى ما فإن التكنولوجيا التي تبدو سهلة الاستعمال وفي متناول الجميع ولا تستدعي جهدًا بدنيًّا عاليًا هي أكثر "فتكًا" بجسد الإنسان و"مزاجه" وعلاقاته ووظائفه. سيقول قائل ـ وبحقّ ـ إن الكثير من الأفعال البشريّة تنطوي على آثار جانبيّة أو مباشرة كالرياضة مثلًا التي قد تكلّف الإنسان حياته في ثانية، ركوب الدراجات النارية، الطائرات الهوائيّة، الغوص، الملاكمة وسواها، ومع هذا فإن الضرر من "التكنولوجيا" لجسد الإنسان وروحه صار واضحًا.
في عمق العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا تكمن للإنسان مصيدة قلّما يستطيع النجاة منها. وهي تلك الكامنة في نظريّة تسمّى "حتميّة التكنولوجيا" (Technological determinism)، وهي تعني هنا تحوّل التكنولوجيا إلى شكل من أشكال القدَر الذي لا مجال إلى ردّه (لهذه النظرية تفسير آخر في علم الاجتماع). بدلالة أن الكثيرين يدخلون الإنترنت ولا يعرفون كيف يخرجون من عوالمه؛ أو أن هناك إغراء في تشغيل الأجهزة الذكيّة بدون أن تكون بحاجة إليها كأن تدير جهاز التلفزيون وتنشغل في أعمال المطبخ أو أعمال أخرى. كأن تُدمن على مثل هذه الأفعال بدون قدرة على الفِكاك منها. كأن تنجرّ وراء ما تقترحه المنصّات والشاشات بدون أن تستطيع الإفلات من قبضتها. شيء ما طاغٍ في التكنولوجيا خاصة تلك التي تلامس الحواس مجتمعة. وكان الباحثون لاحظوا في القرن الماضي أو قبله تعلّق الناس بالآلات والماكنات على أنواعها بشكل مرضيّ من حيث الاقتناء والعناية والانشغال. التكنولوجيا في هذا المستوى هي التي تشدّك إليها وليس أنت التي تستعملها. تمامًا كما يقولون عن الطغيان الذي في السوق الآن: هُم يبيعونك وليس أنت الذي تشتري!
من المرجّح أن يكون الذكاء المصنّع بوصفه أعلى أشكال التكنولوجيا في الراهن قِبلة يحجّ الناس إليها حجيجًا من الدوافع نفسها ـ الإغراء في التكنولوجيا العالية، أو من قبيل القدريّة التي تنطوي عليها. بيد أن الإغراء هنا سيكون مضعّفًا عدّة مرّات كون هذا الكائن قادر على التواصل معنا بلطف وأدب وعلى أداء ألف وظيفة وعمل صغير وكبير للراغبين. سيكتب لك رسائلك كلّها، وسيكتب لك وظيفة جامعيًة، سيحلّل لك شخصيّتك، سيقول لكِ كيف يكون لقاؤك الأوّل مع الشريك، سيكتب لك خطّة عمل، ستجري معه محادثة حميمة، سيقول لك أسرارًا عنك، سيكون معك في وحدتك، سيعلّمك لغة أخرى ـ للقول إنه "قادر" مثل الله على كلّ شيء تتمنّاه!
من هنا بالذات يستعمله البعض لكتابة "نصوصهم" الشعريّة و"مقالاتهم" و"رواياتهم" و"أطروحاتهم" و"مداخلاتهم" و"خواطرهم". سيحبّونه ويحبّهم ويجلبون له الهدايا ويغدقون على ذكائه المديح، سيردّ على ذلك ويمضي في خدماته. لم يعد غريبًا علينا هذا "الأدب" المشغول بأيدي التكنولوجيا، لم يعد غريبًا أن يكتب واحدهم نصّين أو ثلاثة في اليوم، وأن يزفّ إلينا بُشرى المجموعة الشعرية الجديدة كلّ أربعة أشهر. بعض الذي كنّا نعرفهم في بداية الموهبة وبعض الجهد، تنازلوا عن هذا وتلك واتّكأوا على كتف هذا الكائن وركنوا إلى ذكائه المُؤتْمت وتوقّفوا عن الرهان على طاقاتهم. صحيح أن من الناس مَن أتى بنصوص خشبيّة قبل مجيء هذا الكائن إلى حياتنا، ومع هذا فإننا حيال طفرة في مثل هذا الأدب وهذا النصّ. نصّ آليّ لا نسغ فيه وإن كان فيه كلّ عناصر الأدب التي حفظها الكائن الجديد وجمعها كلمة على كلمة. كلّما أتيت على نصّ من هذا النوع أرسلته شاعرة أو كاتب لي كي أعطي رأيي تذكّرت الفلاح الصينيّ الذي كان يرفع الماء من الترعة على كتفيْه يومًا يومًا مصرًّا على ألّا يصير قلبه آلة! بينما نجد حشودًا على باب هذا الكائن تحثّه على أن يجعل من قلوبها خوارزميّات محزّزة أو مطعّمة!.