X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
فنجان ثقافة
اضف تعقيب
15/09/2026 - 04:22:55 pm
الحرب... وشخصية الأم لدى بريخت!؟؟ بقلم: رياض خطيب

الحرب... وشخصية الأم لدى بريخت!؟؟

بقلم: رياض خطيب

بما أننا بصدد الكتابة عن الحرب وإيقاف هذه الحرب المجرمة بغزة ولبنان، ما كتبه بريخت قبل أكثر من ثمانية عقود هو أصدق تعبير عن هذه الدعوة لإيقاف الحرب.

للكاتب المبدع المميز بريخت قدرة هائلة لتناول الموضوعات الإنسانية بمختلف جوانبها وأرجائها.

حين يكتب بريخت عن هذه الموضوعات، لا يكتب بالحبر العادي، إنما يكتب بحبر قلبه...

ليس صدفة بأن ما يكتبه مفعم بحيوية طافحة تمليها بساطة شفافة وعاطفة جياشة، شعور وجداني أصيل.

شخوص مسرح بريخت لا يمثلون أدوارًا بالمعنى المعتاد  عليه، بل يعرضون ويجسّدون مواقف إنسانية تقتضي الدراسة والتفكير من أجل استخلاص النتائج والعبر واستلهام المواقف المقابلة لها بالحياة.

بريخت لا يريد من المتفرج أن يفقد شخصيته ويتفاعل مع الدور والحدث، بل هو يريده أن يكون حاضرًا متيقظًا، لا يريده الاندماج لكي يبقى واعيًا لمجريات الحدث وما تطرحه هذه الأحداث من أفكار، لكي يكون شريكًا بأرض الواقع بأحداث التغير والثورة على واقع الحياة الحقيقي من أجل تحقيق العدل والحرية بالأرض.

هذا هو أسلوب الدراما الملحمية التي ابتكرها وجسدها بريخت على خشبة المسرح، هي نقيض للمسرح الكلاسيكي الشكسبيري الذي كان يطغى على المشهد المسرحي آنذاك، إنها كما أطلق عليها بريخت: نظرية التغريب الملحمي المسرحي.

وبهذه النظرية حاول بريخت أن يخلق ثورة عارمة على المسرح الكلاسيكي الشكسبيري الذي كان سائدًا آنذاك على الساحة الأوروبية.

علاقة بريخت بالحرب هي محور لأجمل ما كتب بريخت من مسرحيات، التزامًا مطلقًا بقضايا الإنسان والإنسانية، وخاصة بأن ظهور بريخت بدأ مع ظهور الوحش النازي الذي كان في حالة صعود تكتسح بلده ألمانيا، هذا غير الجوانب الأخرى للحرب والذي يعرفها بريخت جيدًا، أنها ضريبة مفروضة قسرًا على الشعوب، لأن الذين يمتلكون مفاتيح هذه الحرب هم تجار الحروب الذين يزدادون غنى وثراء على حساب الطبقات المسحوقة التي تحولت إلى وقود لهذه الحرب، وبشكل خاص شركات السلاح الرأسمالية التي لا يهمها إلا الربح والغنى والثراء.

وقد عرف بريخت جيدًا هذه الحقيقة، بل إنه، وعندما كان بالـ١٨ من عمره، كتب مقالًا باللاتينية تحت عنوان:

"ما أحلى وما أجمل الوطن"

وكانت بتلك الفترة الحرب الأولى في سنتها الثانية، وكان الألمان بأوج انتصاراتهم، مما دفع إلى طرد بريخت من مدرسته.

الأم... هي نبض الحرب، وهي أول ما تحس بالحرب، تشعر بها وتدركها جيدًا حتى يومنا هذا، وستبقى ما دامت هناك حروب على وجه هذه الأرض، والأم بغزة هي عنوان لحقيقة ما طرحه بريخت.

الأم هي إنسانة يظل الفقدان يعصر قلبها، وينخر وجودها، ويمزق ذاتها، ويبعثر أحلامها. وهل هناك أقسى من فقدان الوليد التي كان محط آمالها، ومقصد أمانيها، وتجسيد لشخصيتها، هي التي ما أن ترى بصره تكتحل بسناء الضياء، ونفسه يسري في حناياه، ودمه الطري يجري في عروقه، حتى تأخذها النشوة كل مأخذ، وتستبد بها الأمومة استبدادًا حلوًا، فتطفي عليها حتى تستحيل كل حركة من حركات وجودها إلى نغمة عذبة تتجاوب بانسجام مع كل صوت ينبعث من ابنها، وليدها، من كبدها، من وجودها الجديد، من عالمها المتغير أبدًا، من اتصال السلالة البشرية بدون انقطاع... لولا هذا الجحيم، لولا هذه الحرب!!!!

ألا لعنة الأم على الحرب، وعلى من يشعل فتيلها ويديرها ويسيرها، وإليكم هذا المشهد المفجع من مسرح:

"محاكمة لوكوللوس"، لوحة قانية لمعنى الأم الثكلى الجريحة...

لوكوللوس: كيف يحكم على الحرب من لا يعرفها أبدًا؟؟

بائعة السمك: أنا أعرفها، ولدي سقط بالحرب صريعًا.

كنت بائعة سمك بالسوق عند الفورم!؟؟

وذات يوم قيل لي إن السفن التي تحمل العائدين من الحرب في آسيا قد دخلت الميناء، أسرعت أجري من السوق، ووقفت على شاطئ التيبر ساعات عديدة، حيث كانوا يفرغونها.

وفي المساء كانت السفن كلها خاوية.

ولم يظهر ولدي على سطحها!!

وكانت الرياح تهب بالميناء، أصابتني الحمى بالليل.

وفي رعشة الحمى رحت أبحث عن ولدي!؟؟.

كلما أوغلت بالبحث تجمدت أعضائي.

وعندما مت جئت إلى هنا، إلى مملكة الظلال.

ورحت أواصل البحث عنه!!؟؟

ناديت عليه: يا فابر! فكذلك كان اسمه.

فابر، يا ولدي فابر، يا من حملته وربيته، يا ولدي فابر.

ورحت أجري وأجري بين الظلال وأنا أصرخ وأنادي:

فابر يا فابر........

إن هذه النقلة من عالم الحياة إلى عالم الموت، الظلال، لم تكن تتم بهذه السرعة لولا الحنين الجارف، حنان الأم إلى ابنها وحيدها فابر. ترديد الأم لاسم ابنها خمسة مرات في ثلاث جمل هو أصدق تعبير، وهو النوتة الجنائزية الشجية، تردد لحنًا مغموسًا بدم ابنها الطري.!!

والأعظم من ذلك أنّ الأم لم تذكر اسم ابنها بالحياة، بل ذكرته بعالم الظلال، عالم الخلود، وحين يصرخ بها حارس بواب معسكر الظلال، ضحايا الحرب:

الحارس: أيتها العجوز، هناك كثيرون اسمهم فابر.... غير أنهم نسوا أسماءهم، فلم يكن أمامهم إلا يرصوا في صفوف الجيش، وهم لا يريدون أن يلتقوا بأمهاتهم منذ أن تركتهم الحرب الدامية!!!!!

وحين يذكرها الحارس بهذه الحقائق الدامغة، وكيف أن تخلت الأمهات عن أبنائهم، تجيبه الأم بصوت أجش مبهور:

الأم: فابر. يا ولدي فابر، يا من حملته وربيته، يا ولدي فابر!!!

وهنا تصل الذروة من الحزن العميق، والذروة من الحنان الرفيع. هذه هي شخصية الأم متجسدة في فلذة كبدها.

وبعد أن تتأكد أن الفناء حتمي لا رجعة فيه، ترجع الأم إلى الحياة، وتذهب زيارتها لمملكة الظلال هباء منثورًا.

وعندها ينظر قاضي الموت في عيني الأم المحلقة، يرد على لوكولوس ردًا مفحمًا لا استئناف ولا تمييز فيه:

"قاضي الموتى: المحكمة ترى بأن أم الشهيد تعرف الحرب!!"

يسدل الستار على هذا المشهد الرائع بانتصار الحق على الباطل، والأمومة على الحرب والخراب، حتى ولو بمملكة الظلال.!؟؟؟

أما غريزة الأمومة، فتجسدها جروشا، بطلة "دائرة الطباشير القوقازية".

لأنها ببساطتها وسذاجتها وواقعيتها تحملنا قسرًا على مشاركتها وجدانيًا وعاطفيًا، لكي نتعاطف معها إيجابيًا ومتابعة جولتها ورحلتها الشاقة مع ابن ليس ابنها، بل ابن لسيدتها الأرستقراطية، جوزة الحاكم، بعد كان همها فساتينها وفرائها النبيذية والبنفسجية واللازوردية، والفرار من زحف الثوار الذين يقتربون من قصر الحاكم، وعلّقت إحدى الوصيفات:

"تركته هنا! ابنها ميخائيل الذي كانت تخشى عليه دائمًا من تيارات الهواء...!!"

وهنا تتجسد قمة وعبقرية بريخت، والذي يجعل من نداء الطفولة البريئة التي تسمو بهذه الغريزة الإنسانية إلى ذروة الإنسانية، وتكون بمثابة قمر من الحنان والعطف تحيط به هالة من البراءة الشفافة، ولنسمع المغني وهو يشير إلى الحكاية:

المغني: ولما كانت واقفة هناك بين البابين، سمعت أو خيل لها أنها سمعت نداء بصوت خفيض، ناداها الطفل، لا عن وعي بل بذكاء، أو هكذا بدا لها: "أيتها المرأة ساعديني!؟؟؟" وقال أيضًا، وهو لا يهذي بل عن ذكاء:

"اعلمي يا امرأة أن من يتجاهل نداء استغاثة ويمضي بأذن صماء، فإنه لم يسمع أبدًا همس العاشق وهو يدعوه، ولا صوت القطا في الصباح الباكر، ولا زفرة السعادة من الكرامين المنهكين حينما يدق ناقوس الأصيل.."

وبعد هذا النداء المقدس تقف جروشا حائرة بين أن تأخذ الطفل وتهرب به، وبين أن تفر بجلدها، وهي الخفيفة الحمل التي تسابق الغزلان!؟؟

وهنا يتدخل المغني: إن الإغراء على الخير رهيب... بقيت طويلًا جالسة بالقرب من الطفل..

في المساء وطوال الليل وعند الفجر... وحين أقبل الصبح، كان الإغراء أشد قوة.

هناك نهضت وانحنت، وبزفرة أخذت الطفل وهربت به.

"لقد حملته كأنه غنيمة، واختفت بها كأنها سارقة.."

وقررت جروشا أن تخوض هذه التجربة المريرة، وتقرر أن تهرب بالطفل نحو بيت أخبها بالشمال، وهي تعرف أنها مخاطرة قاسية.

وفي طريقها تصادف جروشا أحد الفلاحين، تطلب منه اللبن لكي تطعم الطفل، وبعد أخذ ورد ومساومة فلاحية معروفة، تضطر جروشا أن تدفع ثمنًا باهظًا.

جروشا (وهي تعطي الرضيع اللبن): هذه لذة تكلف كثيرًا.

اشرب يا ميخائيل، لا بد من العمل ثلاثة أيام لكي أكسب هذا المبلغ. إن الناس يظنون أننا نكسب نقودنا من الهواء. مبخائيل ميخائيل، حين أخذتك أخذت عبئًا ثقيلًا""

وهذا العبء يزداد كلما توغلت جروشيا في رحلة الهرب، وهي لم تذق طعم النوم أو الراحة.

والآن عليها متابعة المسير حتى الشمال، تدخل إحدى وهناك ترى بابًا مفتوحًا، وبينما هي تتحاور مع الفلاحة أقبلت الجند، ووضعت الطفل بسلة عند الباب. يدخل عريف الجند ويتعرف على الطفل من ثيابه الفاخرة، فرح بهذا الصيد الثمين، فأخذ الطفل، لكن جروشا تضربه على رأسه وتأخذ الطفل وتهرب...

وبعد مسير أكثر من عشرون يومًا تصل إلى العبارة التي يغطيها الثلج، تخاطب الطفل:

جروشا: ما دام لا يريد أحد أن يأخذك مني، فينبغي علي أن أخذك، وما دام لا حيلة لك غير ذلك، فينبغي عليك أن تتحملني. لقد جررت طويلًا معي يا ميخائيل، وقدماي أصابهما الحفا، ولأن اللبن كان غاليًا أصبحت عزيزًا علي....."

كان هناك هوة عميقة من أجل العبار إلى الجهة الأخرى، تجمهر بعض الناس، أصرت جروشا على العبور.

وقالت: ولكن يجب أن أعبر أنا والطفل إلى الجانب الآخر لأصل لازورخي"

الرجل الأول: لا تستطيعي، غامري بحياتك، لا تغامري بحياة الطفل.

الرجل الثاني: ثم إنك مع الطفل أثقل!!

التاجرة بالمكان: أعطيني الطفل وأنا أخبئه حتى تعودين!؟؟

جروشا: مستحيل، أما هذا فلا.

لا واحد منا بغير الآخر.. وقررت العبور.

جروشا مخاطبة الطفل: ما أعمق الهاوية، يا ابني، وما أشد تحطم العابرة، لكن لا يوجد أمامنا مفر، يا ابني.

عليك أن تسير بالطريق الذي وجدته وتأكل من الخبز الذي هيأته لك!!!!

وهكذا تستمر في رحلة العبور، وهي ترى مطارديها من الجهة الأخرى للعبارة وسط أجواء طقس مرعبة ورياح عاصفة...

جروشا: يجب أن لا تخاف الريح يا ميخائيل، إنها هي لا تفعل أكثر من أن تدفع السحاب وتقاسي البرد، إنها مجرد كلب مسكين!!!

تمضي قدمًا رغم كل المخاطر للوصول إلى هدفها، بيت أخيها، وهي بالطريق تتحدى هذه الأجواء وتغني للطفل:

جروشا: أبوك لص وأمك عاهرة، وأمامك سينحني أشرف الناس. إن ولد النمر يعلف الأمهار، وولد الحية (الصل) يحمل اللبن إلى الأمهات...

وهنا تقوم جروشا بتعرية زيف هذا المجتمع، وتفضح تلك الطبقات التي تعتاش على ابتزاز وسرقة الناس الضعفاء الذين يكدحون من أجل توفير لقمة عيشهم في خضم بحر هذه الحياة المتلاطمة، ومن خلال جروشا يصل بريخت رسالته الخالدة، والدعوة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والعدل والإنصاف بالأرض، وواضح أن بريخت كان يتبنى ويعتنق المبدأ الاشتراكي.

وكان إيمانها بعدالة وصدقية هذا المبدأ لا غبار عليه.

وبعد مسيرة سبعة أيام بين الثلج والعواصف، تخاطب جروشا ابنها: يا ميخائيل، يجب أن نكون ماكرين، لو تصاغرنا وحدنا مثل الخنافس، فإن زوجة الأخ ستنسى أننا في بيتها، وحينئذ نستطيع أن نبقى حتى يذوب الثلج.

ولا تبكِ بسبب البرد. حينما يكون المرء فقيرًا ويشعر بالبرد، فهذا يثير الكراهية!!!

وهنا يرتب أخوها حيلة، إذ يعقد قرانها على فلاح يحتضر.

وتقوم والدة هذا الفلاح بعملية ابتزاز وسمسرة، وتقبض مقابل ذلك مبلغًا كبيرًا من المال، ولكن الفلاح يوسف، بدل أن يحتضر، يعود إلى الحياة ويصبح زوجها الشرعي، في حين كان حبيبها سيسون يعاني الأمرين بين فكي طاحونة الحرب.

وبهذا الوقت تضع الحرب أوزارها، ويعود حبيبها من الحرب ليجد حبيبته متزوجة، وهنا يقوم المغني بتبرير مسلكه حروشا.

المغني: حينما كنت تقاتل بالمعركة، في المعركة الدامية، المعركة الوحشية، وجدت طفلًا مسكينًا لا معين له، ولم يستطع قلبي أن يتخلى عنه، وكان علي أن أهتم بمن سيضيع لولاي، وكان علي أن أطأطئ رأسي لألملم الفتات من الأرض، وكان علي أن أمزق نفسي من أجل غريب ليس لي.

لا بد من معين، لأن الشجرة بحاجة إلى السقي، والعجل الصغير يضل الطريق إذا نام عنه الراعي!!!!

وفي نهاية الأمر تنتهي الحرب، وتعود زوجة الحاكم أبشقلي، أم ميخائيل، عن طريق الجنود بالبحث عن الطفل واسترداده إليها.

وهنا نأتي إلى نهاية المسرحية بمشهد المحكمة، والذي تظهر فيه حضور القاضي ازدك، وهو من قام الحاكم بتعيينه، لأنه وقت الحصار كان أفضل معين، وازدك إنسان لا خبرة لديه بمهنة القاضي، بل عين من قبل الحاكم، وتعقد جلسة المحاكمة.

وهنا يقف القاضي ازدك ويعلن افتتاح الجلسة وابتداء المرافعة، وأطلب منكم جميعًا الصراحة، وخاصة منك أنت (موجهًا كلامه لجروشا).

المحامي الأول: إن روابط الدم هي أقوى الروابط، أم وابن، وهل هناك أوثق من هذا!!!!!؟؟

هل يمكن انتزاع ولد من أمه؟؟؟؟

أيتها المحكمة الموقرة، إنّ النمرة المتوحشة نفسها شوهدت لما انتزع منها أولادها، تهيم على وجهها ولا تهدأ بين الجبال، وقد أصابها الهزال حتى تحولت إلى شبح من الأشباح، نعم إنها الطبيعة نفسها...

ازدك مقاطعًا إياه ومخاطب جروشا: بما تردين على هذه العبارات؟؟

جروشا: إنه ابني!!

ازدك: هذا كل ما بالأمر ؟؟؟

أمل أن تقدري على إثبات ذلك، وعلى كل، لماذا تعتقدين أنني يجب أن أحكم لكِ بالطفل؟؟؟

جروشا: لقد ربيته أحسن تربية قدرت عليها، ووجدت له دائمًا طعامًا يأكله، وفي معظم الأحيان كان يجد سقفًا يستظل تحته، ومن أجله عانيت كل أنواع المتاعب والمشاق، وأنفقت مختلف أنواع الإنفاق.

المحامي الأول: يا صاحب السعادة، إنه لأمر بالغ الدلالة أنّ هذه السيدة لم تشر إلى أية روابط دموية تجمعها بالطفل!!

ازدك: المحكمة تسجل ذلك..

زوجة الحاكم بصوت ضعيف: سيدي، إنّ مصيرًا قاسيًا ينتظرني، أرجوك أن تعيد إلي طفلي العزيز، ليس بوسعي أنا أن أصف لك الآلام النفسية التي تعانيها أم حرمت من ابنها، وما تشعر به من جزع!!

المحامي الثاني باندفاع: إنّ ما لقيته هذه السيدة أمر لم يسمع مثله من قبل. لقد جمّدوا ربع أملاكها، وقيل لها بكل برود إن هذا الربع مرتبط بشخص الوارث، وبدون الطفل لا تستطيع أن تفعل شيئًا، وحتى إنها لا تستطيع أن تدفع أتعاب محاميها.!!

المحامي الأول مخاطبًا ازدك: طبعًا صحيح أن نتيجة المحكمة ستقرر إذا كانت موكلتي ستحصل على حق التصرف بأملاك أبشقلي الكبيرة.

ازدك: لحظة، إنّ المحكمة تدرك بالإشارة إلى التركة شاهدًا على مشاعر إنسانية.

الطباخة تشهد لصالح جروشا، وتعلق على قول المحامي الثاني الذي يتهم جروشا بأنها كانت تحوم حول الطفل:

بعد أن هربت أم ميخائيل: لم تعد تفكر ساعتئذ إلا بالفساتين التي ستهرب بها!!

ازدك: والطفل، أنتِ تؤكدين أنه ولد من العهارة ؟؟ إني أسألك سؤالًا: أي ولد هذا؟ هل هو ابن زنا فقير الوالدين؟ أو ولد كما يجب ابن أسرة غنية؟؟

جروشا بشراسة: ولد كأي ولد آخر.

ازدك: أقصد، هل كشف مبكرًا عن علامات ترف؟

جروشا: لقد كشف عن أنف وسط الوجه.

بعد استراحة يدخل القاضي.

ازدك: أيتها المرأة، أعتقد أنّي أفهمك.

جروشا: إني لن أتخلى عنه أبدًا، أنا التي ربيته، وهو يعرفني!!

يدخل شوفا حاجب المحكمة بالطفل.

زوجة الحاكم: هكذا بثياب بالية ممزقة!!

جروشا: هذا غير صحيح، إنهم لم يتركوا لي فسحة أن ألبسه ثوبه الجميل.

زوجة الحاكم: كان يقيم في زريبة خنازير.

جروشا بغضب: أنا لست خنزيرة، لكني أعرف خنزيرات.

أين تركت ابنك.؟

ازدك: أيتها الشاكية وأنت أيتها المتهمة، لقد استمعت المحكمة إلى أقوالكم، ولم تستطع أن تتبين باقتناع من هي أم هذا الطفل، وعليّ، بوصفي قاضيًا، أن أقرر من الأم. سأنضم لذلك، يا شوفا، خذ قطعة من الطباشير وارسم دائرة على الأرض. (شوفا يرسم دائرة). ضع الطفل داخل الدائرة. (يضع الطفل داخل الدائرة، الطفل يضحك لجروشا). أيتها الشاكية وأنت أيتها المتهمة، قفا على جانبي الدائرة، كل واحدة منكما تمسك بالطفل من ناحيتها وتشد، والأم الحقيقية هي التي ستقوى على سحب الطفل إلى خارج الدائرة.

المحامي الأول محتدًا: أيتها المحكمة الموقرة، إني أعترض على هذا الإجراء الذي يجعل مصير تركة أبشقلي متوقفًا على صراع مشكوك فيه، فضلًا عن ذلك، فإنّ موكّلتي ليس لديها من القوة ما لهذه المرأة التي اعتادت على القيام بالأعمال البدنية.

ازدك: يخيل لي أنها معلوفة جيدًا.... اسحبا.

(زوجة الحاكم تسحب الطفل إلى خارج الدائرة، أما جروشا تبقى مكانها.)

المحامي الأول وهو يهنئ زوجة الحاكم: ألم أقل أنا رابطة الدم هي الغالبة؟

ازدك مخاطبًا جروشا: ماذا جرى لكِ؟ لماذا لم تسحبي معها؟

جروشا: لم أمسك به جيدًا يا سعادة القاضي، لو تستطيع أن تتركه حتى يكبر ويهجي الاسم جيدًا ليقرر.

ازدك بغضب: لا تحاولي أن تؤثّري على المحكمة بكلامك المعسول هذا، هيا بنا، اسحبا.

تقف السيدتان أمام الدائرة، ولكن جروشا تترك الطفل مرة أخرى.

جروشا يائسة: يا سيادة القاضي، أنا التي ربيته، هل أنتزع أطرافه؟؟؟؟ لا أستطيع.

ازدك واقفًا مخاطب جروشا: الآن تبين للمحكمة من هي الأم الحقيقية. مخاطبًا جروشا: خذي طفلك واخرجي به من هنا، وأنصحك نصيحة، لا تمكثي بهذا المدينة. (مخاطبًا زوجة الحاكم) وأنت اذهبي قبل أن أحكم عليك بتهمة الادعاء الكاذب، وأعمال التركة تعطي للمدينة ويعمل بها حديقة عامة لكل الأطفال.

نعم، لقد أطلّت قليلًا بعرض هذا المشهد، ولكنّي أؤكد بأنه من أجمل المشاهد التي رأيتها وقرأتها بحياتي، وأنا كنت ببداية مشواري بعالم المسرح عام ١٩٧٩، أيام الدراسة بجامعة تل أبيب. قد قمت بدور مساعد مخرج بصحبة المخرجة المختصة بمسرح بريخت، الأمريكية الأصل نولا تشلتون، وهذا يلخص فلسفة ونظرية بريخت بالمسرح، والذي يعكس حقيقة نزعته الاشتراكية والإنسانية، وكل ما كتبه في أجواء الحروب والمجازر.

الذي جسّدها الحكم النازي بألمانيا، وما كتبه بريخت قبل أكثر من ثمانية عقود ما زال ينطبق على حقيقة ما يجري على الأرض، وعلى الأخص ما يجري من حرب إبادة ضد شعبنا بأرض غزة، وعملية التطهير العرقي لكل ما هو فلسطيني تاريخًا وحاضرًا.

هذه الشجرة المباركة التي زرعها بريخت، أصلها ثابت وفرعها بالسماء، سقاها بعصارة حياته وحماها من كل الغربان الآدمية المتوحشة.




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت