تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
الثيودور
بقلم:رياض خطيب
ليس حتميًّا بأن المنتصرين هم من يكتبون التاريخ!!؟
صحيح أن إسبرطة هُزمت أمام تحالف لكل الممالك الإغريقية!!؟
ولكن التحدّي وقوّة المواجهة التي أبدتها إسبرطة، من خلال صمودها قرونًا أمام حصار اقتصادي وسياسي متواصل، جعلها مثالًا لكل الشعوب التي تبحث عن الحرية والاستقلال...
صحيح أنّ إسبرطة سقطت وتم إحراقها، ولكن انتصرت من خلال بعث روح التحدّي والصمود.
وما يحدث الآن بأرض غزة من خلال حرب إبادة لم يسلم منها شيء، من ناحية حجم الخسائر البشرية والتدمير الممنهج، ولكن بشاعة هذه الحرب لم تستطع أن تقضي على روح التحدّي والتمسّك بالأرض والثوابت الوطنية، بل استطاعت أن تحقق تغييرًا جوهريًّا في بعث روح التضامن من شعوب العالم، وإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد السياسي العالمي، وغيّرت إلى حدّ كبير من تسلّط وهيمنة الأجندة الصهيونية على عقول وقلوب جماهير الناس بالعالم الغربي بالذات، فترة طويلة، من خلال السيطرة على وسائل الإعلام وضخ مليارات الدولارات من أجل خدمة أجندة المشروع الصهيوني الاستعماري...
والدراما التي سنتحدث عنها هي دراما ضخمة من ناحية الطرح الفني وتكاليف الإنتاج، من شركة «شو تايم» الأمريكية بالتعاون مع شركة «نتفليكس» العالمية.
تدور أحداثها بالقرن الخامس عشر، بزمن الملك هنري الثامن، آخر سلالة تيودور.
وقد تميّزت بأنها من أكثر الفترات دموية، والتي تميّزت بحدة وعنف الصراع بين الملك هنري الثامن وبين بابا روما، مصحوبة بعاصفة من القتل والإرهاب لكل من تجرأ على التعامل أو حتى التخاطب مع أطراف كنيسة روما من سفراء وكاردينالات.
ملخّص حبكة هذه الدراما وإسقاطاتها على الحياة العامة ببريطانيا وفرنسا، التي كانت تخضع تحت السيطرة البريطانية آنذاك...
بعد موت أخيه، تزوّج الملك هنري الثامن من زوجته كاترين، أميرة إسبانية الأصل، وأنجب منها ابنته ماري، وبعدها أجهضت مرتين، مما أثار غضب هنري الذي كان ينتظر ابنًا كوليٍّ للعرش من بعده.
بدأت شكوك الملك هنري تتلاعب بأفكاره حول شرعية زواجه من كاترين، وخاصة بعد أن أجهضت مرتين، فكان تفسيره، بإيحاء من حاشية القصر، بأن هذا عقاب رباني؛ لأن زواجه من كاترين كان باطلًا..!! وبدأ يهجرها بالفراش، ويكتفي بعلاقة شكلية فقط، حفاظًا على البروتوكول الملكي، مما أثار حفيظة كاترين، التي صرّحت أمامه بأن زواجه شرعي حسب البروتوكول البابوي، وهي بنفس الوقت تحبه إلى درجة أنّ حبّه ملك عليها حياتها، ولا تفكر بأي رجل آخر سواه!!؟؟؟
بعد دخول آل بولين إلى أروقة القصر، وأصبح الأب والابن من حاشية القصر، ظهرت بالصورة ابنة العائلة آن، وهي شابة لطيفة وساحرة الجمال. استغلّها الوالد كطُعم من أجل التّقرب من الملك والحصول على كل الامتيازات الملكية، وقد أتقنت لعبتها بشكل جيد، حتى أصبحت خليلته وعشيقته المفضلة بالقصر، وعلى الأخص بأنه عُرف عن الملك هنري بأنّه زير نساء، وهوايته تغيير النساء كما يغيّر لباسه.
حتى تمكّنت آن بولين أن تستحوذ على حياته، وبدأ بالفعل يفكّر بالزواج منها، وعن طريق رئيس وزرائه كرومويل، يبدأ حملة من أجل الحصول على فتوى بابوية بأنّ زواجه بكاترين باطل وغير شرعي..!!
ولكن البابا رفض وبشدّة هذا الطرح، وأكّدَ بأنّ زواجه شرعي، وكاترين هي سيدة القصر والملكة الحقيقية للتاج البريطاني.
وهذه القضية أشعلت شرارة الصراع مع البابا، وحاول أن يصفي جسديًّا وسياسيًّا كل العناصر التي كانت ذات صلة بالعرش البابوي، فيقوم بنفي وعزل كاترين بقصر وحيدة، وإبعادها عن الحياة الملكية والسياسية بأروقة القصر، حتى تتسنّى له الظروف لكي يتزوج من آن بولين.
وهنا تبدأ جولة من الصراعات الدموية بينه وبين بابا روما. يحاول كاردينال القصر، وولسي، وهو الذي يتمتع بنفوذ واسع بالبلاط الملكي، أن يقرّب من وجهات النظر بين الكنيسة والملك، ولكن عملية التحريض التي تقوم بها بولين من ضغط عاطفي على الملك تجبر الكاردينال على الموافقة الشكلية على زواج هنري من آن بولين.
بعد عزل كاترين وابنتها ماري، يصبح البلاط والقصر الملكي تحت سيطرة آن بولين وعائلتها. تبدأ حملة تصفيات من بعض شخصيات البلاط، توماس مور، رئيس وزرائه السابق، الذي يعلن اعتزال العمل السياسي والتفرّد بالعزلة والصلاة والعيش بين أفراد عائلته، ولكن حتى هذا الأمر لا يوقف زحف وتسلّط كرومويل وعائلة آن بولين، حتى يتم التخلّص من توماس وعزل الكاردينال وولسي، مما دفعه بنهاية المطاف إلى الانتحار بعد أن فقد شرعيته أمام الكنيسة والملك.
تُنجِب له آن بولين ابنة إليزابيت، وهو الذي كان يتوقّع أن تلد له وليًّا للعهد!!
أصبحت هيمنة الملكة وعائلتها واضحة في مجريات حياة البلاط، مما أثار حفيظة كرومويل وولسي، وبعد أن توجّهت آن بولين بتهديدها المباشر لكرومويل:
_ أنت تعرف أنني أستطيع أن أسحقك وأحوّلك إلى نكرة منبوذ لدى الملك والبلاط..
وهنا أيقظت هذه الكلمات غريزة الانتقام لدى كرومويل، من خلال تدبيره لتهمة زنى للملكة، من خلال شهادة وصيفات الملكة والمقرّبين، تهمة زنى مع العشرات، ومن بينهم زنى محارم مع أخيها!!؟؟
طبعًا، بعد إحكام التهمة بشهادة الوصيفات، تبدأ عملية تصفية الأخ، وبعض المقرّبين، والأب يجرّد من كل أملاكه ويُطرد من القصر منبوذًا، وكذلك تمّ قتل الملكة بقطع الرأس بساحة المدينة...
بعد كل هذه الأحداث، يدخل الملك بحالة اكتئاب، يعزل نفسه مع مهرّج في إحدى أقبية الخمر، يحاول أن يبتعد عن حياة العرش والبلاط، ويفهم حقيقة ما جرى معه من أحداث، أستطيع أن أعتبرها فترة نقاهة فكرية، حتى يقرّر العودة إلى حياته الملكية. وبإيحاء المقرّبين، تبدأ عملية البحث عن عروس مناسبة بكل زوايا المملكة، حتى فرنسا، من خلال وسطاء زواج ملكي ورسام محترف، حتى يستقر الحال ويقرّر الزواج من جينا، أميرة اسكتلندية من عائلة ملكية عريقة، وتحقق له حلمه بإنجاب وليّ العهد إدوارد، وبنفس الوقت تغادر الحياة، مما يدخله هذه المرة بحالة عزلة واكتئاب قاسية. تمر أشهر وهو معزول عن السلطة قسريًّا بسبب فقدان جينا، أم ابنه الوحيد إدوارد...
وهكذا تستمر الحال، وتبدأ مسيرة البحث عن زوجة جديدة، وهذه المرة بعد أن يقع اختيار الباحثين عن العروس من حاشية البلاط على كاترين، فتاة صغيرة جميلة ورقيقة من عائلة مالكة سابقًا، كانت قد أودعت دار أيتام راقية لفقدانها أبويها.
يمضي معها هنري أيامًا جميلة، ويقرّر اصطحابها إلى الشمال الإنجليزي، يوركشاير، حيث شهدت المنطقة اضطرابات دامية، وهناك يقرّر احتفالًا ملكيًّا حتى يعلن زواجه من كاترين بشكل رسمي.
رحلته مع كاترين تستمر فترة قصيرة لا تتعدّى السنتين، ثم، وعن طريق إحدى وصيفاتها، تقيم كاترين علاقة غرامية وليالي حمراء مع حارس الملك الشاب الوسيم كليبير. لم تدم مدة طويلة حتى تنكشف حقيقة كاترين مع عشّاقها ببيت الدوقة، ومن ثم علاقتها مع كليبير، وجولة من التحقيق وقطع الرؤوس والمشانق....
مسلسل أُنفق على إنتاجه أموال طائلة، ولأول مرة أتفاجأ بمدى سوقية العمل وتحويله إلى مسلسل متواصل من العلاقات الجنسية، من ملك ماجن وحاشية فاسقة تدير البلاد من خلال حلقة من دوائر الانتقام والخيانة، من أجل تصفية حسابات وصراع على مراكز قوة داخل البلاط الملكي، هذا ناهيك عن مشاهد قطع الرؤوس المتواصل وأعمدة المشانق التي لا تنتهي، مما يثير اشمئزاز المشاهدين..
في نقطة الصراع بين الملك هنري والكنيسة الكاثوليكية، بعد أن قام هنري، وبتحريض من الحاشية وعلى رأسهم كرومويل، تبيّن تعاطف المخرج مع موقف الكنيسة والبابا بروما، ومدى همجية هنري وقسوته بالتعامل مع رجال الدين ورهبان الأديرة، ووضع نقاط ستّة توجب السير بموجبها، والتعامل مع الكنيسة كعدو يجب الحذر منه، ومراقبة تصرفات رجال الدين ومحاسبتهم..
بمحصّلة الأمر، لا شك بأنّ مهنية إنتاج هذه الدراما وصلت لذروة الإنتاج المهني الراقي، من ناحية طاقم التمثيل وكل مكمّلات العمل الفني من تصوير وموسيقى وإكسسوار، ولكن حبّذا لو تم صرف هذه المبالغ على إنتاجات أكثر فاعلية وإيجابية في مسيرة الفن، بالرغم من إعلان الإنتاج بأنّ هناك مشاهد ومواقف ربما لا تمت لواقع الأحداث في هذه الدراما، بل هي مبنية على خيال المخرج والمنتج لهذا العمل الكبير.
