X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
اجتماعيات
اضف تعقيب
23/04/2022 - 12:48:58 pm
نُقوشٌ في رحيل  الدكتور جودت حاجّ  طبيب القرية- سمير حاج

زهرةٌ من ماضي عبلّين الجميل

        نُقوشٌ في رحيل  الدكتور جودت حاجّ  طبيب القرية

                                                                       بقلم:سمير حاجّ

سفيرُ عبلين الأوّل في جامعات إيطاليا لدراسة الطب ،  يرحل فُجاءةً  تاركًا غَصّاتٍ  وحسراتٍ

  حَرّى . لكن هيَ الحياةُ  !   قاموسُها  مبدوءٌ  ومختومٌ  "  وكانَ صباحُ  وكانَ مساءُ  "  .

ناموسُها ودَيدنُها  لا يرحمُ  ،  وقد  وصفَهُ   الخليلُ بنُ أحمدَ الفراهيديُّ  :

 وقَبْلكَ داوى المريضَ  الطبيبُ  /   فعاشَ المريضُ وماتَ الطبيبُ

بدأ الطبُ في عبلين  ، بالخرّيج الأوّل من  كلية الطب في الجامعة العبرية  في القدس عام 1962    ، الدكتور رشيد سليم ، الذي افتتح عيادته الخاصة   في مدينة  الناصرة  عام 1967 ،  ثمّ الدكتور جودت سابا حاجّ  ،  حكيم القرية  بتوصيف أهلها ولغتنا المحكية ،  والذي افتتح أوّل عيادة عبلّينية  في سبعينيات القرن الماضي ،  بعد أن اغترب ودرس في إيطاليا .

الدكتور جودت اسم  نبسَتْ به  الشفاهُ   وردّدتهُ الألسنُ ،  في عبلّين أواسط السبعينيات ، حينَ  كان الطب حُلمًا  بعيد المنال  عن عالم قريتنا  .

الدكتور جودت ذاك الطبيب  المُغتربُ والعائدُ  ليفتتح َ العيادةَ  العبلّينيّة الأولى في القرية ،  كي يُطبّبَ  و " يُحَكّمَ " أهليها ، حين كانت عبلّينُ  بغالبيتها فلّاحين ، حيث  كانت تفرغُ من ساكنيها كلَّ صيف ، فالناس   " تعزب ُ " أو " تُغرّبُ "،   لتقيم َ في  "عزبتها " سهلها . وكان سهل عبلين يكتسي  ويميسُ بنبتة الخيار ،  حلته الحريرية الخضراء ،  التي شكّلت هوية عبلّين  وماركتها. هذه النبتة   المُباركة ، كانت  نسغ الحياة ومصدر معيشةٍ ، وصندوق دعم وتمويلٍ لتعليم أبناء القرية  وللبناء والعمران فيها .

هكذا كانت عبلين السبعينيات ، سهولًا خضراء تعجّ بالحركة مثل خلية النحل ، يجتمع  وينحني  الرجال والنساءُ والأبناءُ والبناتُ ، والفلّاحُ المحترفُ والمعلّمُ والموظّفُ والطالبُ والكاهنُ والشيخُ ، حول  المعبودة نبتة  الخيار صباحَ مساءَ ، وكانت البشاشة والبساطة تملأ قلوب الناس.

أن تخرجَ  طبيبًا  آنذاك ،  من أسرة فلّاحين في  قرية صغيرة ومجتمع فلاحيّ بامتياز،  هو إنجازٌ مُشرّفٌ وهامٌ  ووسام عبلّينيٌ  وضيءٌ . لم تكنْ عبلّينُ الماضي  كما اليوم ، مغمورة ومغبوطة بمئات الأكاديميين والأطبّاء ، مفخرة مجتمعنا .

كُنّا نفلحُ حَقلًا بجانب حقل أهله في مطلع السبعينيات ، حين كنت تلميذًا في المدرسة الابتدائية ونقيم ُ في  " العزبة " السهل  منذ بداية كل صيف ٍ ، أثناء فترة الامتحانات  السنوية ،  وكنت آنذاك أنظرُ  مبهورًا  للدكتور جودت  الطالب الجامعيّ  ، وهو  يأتي  فرصة الصيف ، ليزور الأهل  وليساعدهم  في موسم  قطف  الخيار ،  حين كان الري بطريقة الأثلام .

 الدكتور جودت من روّاد الجيش الأبيض ،  الذين عبَّدوا الطريق إلى الالتحاق بجامعات خارج البلاد في زمن ولا أقسى !  بعدهُ توالت أسرابُ سفراء عبلّين في دراسة  الطب في إيطاليا والخارج .

ريادةٌ حقّة ، أن تُسافرَ خارجَ البلاد وحيدًا  في أواسط الستينيات، على ظهر سفينةٍ ،  للدراسة  في إيطاليا ،  وتقيم هناك سنوات ،  وعبلّينُ بعدُ تستضيءُ ب " لامبة  " القنديل الألمانيّ و " اللوكس "  ، وقنوات الاتصال  الوحيدة مع العالم الخارجيّ  هي " البوسطة  "  بالمكتوب والبرقية  ، والفلاحة هي مصدر المعيشة ، ليس حدثًا عاديًا !  إنّها مُغامرة أسطورية  ومُجازفة قاسية  وريادة  كبيرة  لا يُمكن تصوّرها .   فالغربة قاسية  ومُرّة  ، وكما  وصفها  الكاتب الفلسطينيُ  التلحميُّ  جبرا  إبراهيم جبرا "  أوجع اللعنات  " .

ريادة الدكتور جودت  مفخرة عبلّينية ،  ستبقى منقوشةً في سِفر عبلّين وتاريخها  وذاكرة أجيالها  .

بدأ الدكتور جودت مسيرته حين كان الطبيب " حكيمًا "  في مجتمعه ، وموضع َ احترام ٍ وقداسة ، لكونه عملة نادرة  آنذاك .

 في بداية مُزاولته  الطب ، كان الطبيب إنسانًا  لا جهازًا ، يجسُّ بنصّاتته ،  ويعاينُ الداء  ويكتبُ " الروشيتة  " بخط يده الطلسميّ . وكانَ يُصغي للمريض بتؤدةٍ  ،  ويجيب  عن تساؤلاته  بتروٍّ،  بحيثُ  تسيل كلماته بلسمًا  ومرهمًا  للشفاء... قبل الانتقال إلى  زمن التكنولوجبا  ،  والصندوقة المُحوسبة  و" الطب السريع "،  واستبدال اسم المريض برقمٍ  تُساعيّ ، عدا الحواجز المؤدية إلى الطبيب..   كان الوقت  للمريض. . وكان الاحترام للطبيب ...وكان حديث  بينهما .

 من خٍصال الدكتور جودت احترام  الناس ، وخدمة عُوّاده من المرضى بإخلاص ،  وحبّ  المساعدة  والاجتماعيات والهدوء . كان  بتواضعه لا يتردّدُ  في  الظرف الطارئ ، في القدوم  إلى  بيت المريض  ومعالجته  هناك ، وكان لا يتركه حتى يطمئن على سلامته .

لقد أدّى رسالته  بتواضع وإخلاص ،  وقدّمَ مِثالًا رائعًا للطبيب الإنسان . وهذه المآثر هي تاجُ الطب ورحيقُ  النجاح في هذه الرسالة السامية .  ترتقي الأممُ  بهؤلاء  الناس  خميرة المجتمع  وأُساةِ جراحه .

الطيّبون لا يرحلون !  والطبيبُ الإنسانُ  لا يُنسى !  تبقى  ذكرُاهُ منقوشةً  في  تلافيف الذاكرة  وسفر الحياة  . وسيبقى  الدكتور جودت  مفخرةً عبلّينيّة تتضوّع  ذكراهُ إنسانيةً ومحبةً.




Copyright © elgzal.com 2011-2022 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت