تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
عمواس: حبات عرق و طريق في مواجهه الاقتلاع من الأرض..
حيدر ابو غوش
بداية أستعير من الشاعر الكبير "أبو تمام" قوله:
"كم منزل في الأرض يعشقه الفتى ...... وحنينه أبداً لأول منزل "
حين يتقدم بنا العمر، لا تصبح السنوات مجرد أرقام، بل تتحول إلى طبقات من الذاكرة، تحمل في طياتها وجوهًا وأماكن وأحداثًا لا تغيب، مهما حاول الزمن أن يطويها. بعضالذكريات يبهت، وبعضها يظل حيًا، نابضًا، كأنه حدث بالأمس. بالنسبة لي، تبقى عمواس تلك الذاكرة التي لم تشخ، رغم كل ما مرّ.
بالنسبة لي، لم تكن عمواس مجرد قرية وُلدت فيها، بل كانت الإطار الذي تشكّلت فيه ملامح حياتي الأولى، ومصدرًا دائمًا لتعريف نفسي، مهما ابتعدت جغرافيًا. بقيت عمواس تلك الذاكرة التي لم تشخ، رغم كل ما مرّ عليها من محاولات الطمس والنسيان،وكأنها تعيش في داخلي أكثر مما عاشت على الأرض.
عمواس و القدس
تقع عمواس في منتصف الطريق بين يافا والقدس، وهو موقع منحها عبر التاريخ أهميةاستثنائية. في العهد الروماني كانت محطة رئيسية، ثم ارتبطت في الرواية الدينية المسيحية بقصة لقاء السيد المسيح مع اثنين من تلاميذه بعد القيامة. وفي العهدالبيزنطي أُقيمت فيها كنيسة لا تزال آثارها شاهدة حتى اليوم. كما كانت نقطة تجمع لجيوش المسلمين عند دخول بلاد الشام، ومنها ارتبط اسمها بواحد من أشهر الأوبئة في التاريخ الإسلامي، "طاعون عمواس"، الذي ترك أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي.
القدس و المشروع الصهيوني في فلسطين
لم تكن القدس يومًا مجرد مدينة عادية في المشروع الصهيوني، بل كانت الهدف المركزي الذي تدور حوله السياسات والخطط، لذلك ركزت القوات الصهيونية هجماتها للسيطرة على القدس و على الطريق الواصل من ساحل يافا إلى القدس. لكن هذا الطريق لم يكن لقمة سائغة، بل كانت تحرسه قرى فلسطينية متجذرة في الأرض، تشكل معًا نسيجًا حيًا من الحياة اليومية والعمل والكرامة. وقد شكّلت هذه القرى درعًا بشريًا حيًا حول القدس. و خلال نكبة عام 1948 سقط معظم هذه القرى و تم هدمها و تهجير سكانها.
في حين بقيت ثلاثة قرى هي عمواس، ويالو، وبيت نوبا شوكة في حلق الاحتلال بصمودها الذي جعلها عصية على المحتل ، رغم استماتة القوات اليهودية في ذلك الوقت لاحتلالها و رغم تكرار المحاولات والتي فشلت جميعها. حيث شكل التلاحم بين الجيش الأردني و اهل القرى أسطورة في صد كافة الهجمات لاحتلال القرى و تكبيد المعتدين خسائر فادحة. و أصبحت هذه القرى الثلاث، والمعروفة بقرى اللطرون، جزءا مما عرف لاحقاً ب "الضفة الغربية".
في تلك السنوات، لم تكن الحياة سهلة لمن بقي في القرى، حيث فقد أهالي هذه القرى معظم أراضيهم الزراعية، إمّا جرى احتلاله أو أصبحت جزءا من المناطق العازلة، ما حرمهم من مصدر رزقهم الأساسي، ودفعهم إلى العمل في البناء أو الوظائف الحكومية حيثما أمكن.
21سبتمبر 1953
في هذا الواقع، وُلدتُ أنا بعد خمس سنوات من النكبة، في قرية عمواس، في بيتٍ فقد معظم أراضيه ضمن ما جرى احتلاله عام 1948. كان والدي يعمل في “دقّ الحجارة”، وكنتُ الطفل الثالث، وأول الذكور في عائلةٍ اكتمل عدد أبنائها لاحقًا إلى ثمانية. و رغم ضيق الحال، كان والداي يؤمنان بأن التعليم هو الطريق الوحيد للخروج من دائرة الحرمان. هذا الإيمان أدى إلى أن ستة منا لاحقًا حصلوا على شهادات جامعية.
لم تكن طفولتي عادية. فقد تركت الاعتداءات الإسرائيلية اليومية علينا في عمواس أثرًا لا يُمحى في ذاكرتي، ظلّ يرافقني حتى اليوم.
في سن الثانية عشرة، أُصبت بمرض في القلب نتيجة تأخر علاج التهاب اللوزتين، فلم العلاج يكن متاحاً في القرية و كان لا بد من زيارة الطبيب في المدينة الأقرب، رام الله، مع ما يعنيه ذلك من عبء مالي.
وبعد عامين فقط، جاءت حرب حزيران 1967، التي غيّرت مجرى حياتي إلى الأبد. ففي صباح اليوم الثاني للحرب، احتُلت قريتي عمواس، وبدأت قوات الاحتلال بتنفيذ ما كانت قد عجزت عنه في عام 1948: التهجير الكامل. طردوا السكان، وبعد أسابيع هدموا القرية بالكامل و هدموا جارتيها قريتي يالو و بيت نوبا.
بين الأعوام ٤٨ و ٦٧ ، كانت الطريق التي تربط يافا بالقدس تمر بطريق متعرجة و طويلة نسبياً، لان الطريق الأصلية أصبحت مقطوعة عند عمواس و قرية اللطرون و سيطرة الجيش الأردني على المنطقة.
و بعد تدمير بيوت قرية عمواس أنشأ الاحتلال طريقا سريعا مباشراً من يافا الى القدس بديلاً عن الطريق القديم، عرف فيما بعد بطريق رقم 1، و يمر فوق انقاض بيوت قرية عمواس.
ولم يكتفِ الاحتلال بذلك، بل سعى إلى طمس آثار الجريمة، فأنشأ “متنزه كندا” فوق أنقاض عمواس وأجزاء من يالو. حيث قام الاحتلال و مؤيدوه في كندا في العام 1972 بحملة لجمع ملايين الدولارات. وهم يَدّعون في كافة حملات التبرعات مقولة بان التبرعات تذهب "لتخضير الصحراء"!!!
وهذه الطريقة في طمس آثار القرى المهجرة قام بها الاحتلال بعد عام ١٩٤٨، و بعد تدميره لأكثر من خمسمائة قرية فلسطينية و تهجير أهلها، حيث قام بإنشاء ما يسميه متنزهات وطنية التي يوجد منها ٦٨ متنزها تغطي معظم القرى المهدمة من الشمال إلى الجنوب.
النهوض بعد التهجير
بعد التهجير، استقرّت عائلتنا في مدينة البيرة. كطفل لاجئ أو نازح كان من الصعب التأقلم مع المحيط الجديد و لذلك كانت العلاقات الشخصية محدودة وانحسرت في من تبقى من أبناء عمواس في منطقة رام الله و البيرة و بيتونيا. و لكن هذه العلاقات تغيرت و تنوعت بعد الالتحاق بالمدرسة، الذي تأخر عدة شهور بسبب الاحتلال.
التحقت بالصف الثاني الإعدادي في مدرسة البيرة الجديدة، و رغم سوء الوضع النفسي و الاقتصادي و الصحي إلا انني حصلت على الترتيب الثاني في الصف ثم الاول في السنة الدراسية التالية. بعد ثلاث سنوات، انتقلت إلى المدرسة الهاشمية حيث كانت المدرسة الوحيدة في لواء رام الله التي توفر للطلبة الفرع العلمي في المرحلة الثانوية. تعرفت في المدرسة الهاشمية على بعض الحركات السياسية و الأحزاب و رأيت نفسي أقرب إلى ما يطرحه الشيوعيون، فانضممت إلى الحزب الشيوعي و أنا في السابعة عشرة من عمري.
وفي صيف عام 1972 أنهيت الثانوية العامة، أرسلني الحزب في منحة دراسية الى جمهورية تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية للدراسة الجامعية.
وصلت مدينة براغ قادما من دمشق و كان الاندماج بالطلاب و بالبلد الجديد سريعا. لكن المرض عاد ليطرق بابي، فدخلت المستشفى بعد أسبوعين فقط من وصولي، ووجدت نفسي أمام خيار صعب، حيث وضعتني الجامعة بين خيارين: العودة إلى الوطن، أو المخاطرة بإجراء عملية جراحية للقلب و بعدها أعود للانتظام بالدراسة. من حسن حظي ان القائد الوطني الشيوعي نعيم الأشهب كان مقره في براغ بعد أن أبعدته سلطات الاحتلال عن القدس، حيث كان له الدور الرئيسي في إقناع الجامعة باستمرار المنحة الدراسية رغم مخالفتي احد شروطها وهو الخلو من الأمراض. كمان له و لعائلته مع رفاق الدراسة هناك الفضل في تخفيف وجع الغربة أثناء فترة الجراحة و ما بعدها.
كنت مضطراً و انا ابن التاسعة عشر عاماً ان اقرر بمفردي، فاخترت إجراء العملية الجراحية دون علم أهلي. فقد كان البديل في ذلك الوقت هو العودة بما تمثله من مخاطرة لعدم توفر إمكانية إجراء العملية في رام الله و شكوك بامكانية الدراسة مع هذا الوضع الصحي.
اخترت البقاء
خضعت لعملية جراحية في القلب، وبدأت بعدها رحلة جديدة، جمعت بين التعافي والدراسة. وبناءً على وضعي الصحي، اتجهت إلى دراسة المختبرات الطبية في معهد متوسط، وهو التخصص الذي شكّل مساري المهني لاحقًا.
احتلت مدينة براغ، والتشيك عموما،ً ركناً واسعا في حياتي وفي وعيي والبناء الثقافي و الفكري لدي. فبعد خمسين عاماً على تخرجي منها لازلت أتكلم اللغة بأريحية و لا زلت اجهز بعض وجباتهم لي و لأفراد أسرتي. أزورها بمعدل مرة كل عام و في كل زيارة أستعيد المكان و إلى حد ما أستعيد الزمان رغم بلوغي الثالثة و السبعين من العمر. و دائماً أردد قول أمير الشعراء شوقي:
قد يهون العمر إلا ساعة..... و تهون الأرض إلا موضعا
في براغ، لم أستعد صحتي فحسب، بل تعرفت فيها على من أصبحت لاحقا شريكة حياتي والقادمة من حيفا، شادية عودة الأشهب. تزوجنا بعد التخرج، وأنجبنا ثلاثة أبناء "إبراهيم و ضرار و رزان"، وبنينا معًا حياةً قائمة على العمل المشترك، كما أسسنا مختبرا طبيا خاصا بنا في مدينة رام الله ساعدنا في تخفيف الأعباء المالية على العائلة.
لكن الحياة لا تمنح الفرح كاملًا. فقد رحلت شادية مبكرًا، باغتنا مرض خبيث عانت معه خمسة شهور فقط بعد أن قضينا ثلاثين عامًا من الشراكة و العطاء لبناء أسرة و حياة أفضل.
العمل و تطوير الذات
على الصعيد المهني، عملت مباشرة بعد تخرجي عام 1976 في مستشفى المقاصد في القدس، و قد كان هذا المستشفى مدرسة جديدة لي. في عام 1987، أُرسلني المستشفى في دورة تدريبة إلى بريطانيا لمدة خمسة شهور للتدرب على تشخيص مرض الثلاسيميا و أمراض هيموجلوبين الدم.
تدرجت في السلم الوظيفي حتى أصبحت مديرًا للمختبر. ومع ذلك، ظلّ حلم الشهادة الأكاديمية يرافقني، وهو ما تحقق عام 1997 حين التحقت بجامعة القدس. ثم واصلت دراستي لنيل شهادة ماجستير الصحة العامة من جامعة بيرزيت، وأنا في الحادية والخمسين من عمري، متخرجًا في العام نفسه مع ابنتي رزان التي حصلت وقتها على بكالوريوس علم النفس.
بعد اثني عشر عاما من رحيل شادية، وجدت شريكة حياتي الثانية، ديما محمد أمين، التي ترافقني في مرحلة جديدة نعمل فيها معا في حياة مشتركة تلبي الاستقرار و السعادة.
قضيت أربعين عاما بالعمل في المجال الصحي بدءا من المختبرات الطبية و لاحقاً بعد استقالتي من مستشفى المقاصد عملت مديرا لبرنامج للأمراض المزمنة كأمراض القلب و الشرايين و السكري في الإغاثة الطبية مع التركيز على الوقاية منها و الكشف المبكر عنها.
التقاعد من العمل
بعد أربعين عامًا من العمل، قررت في العام 2016 التقاعد، لأتفرغ أكثر للقراءة، والمشاركة في مسارات المشي في أنحاء الوطن، و اعتبر نفسي محظوظا بالتمتع بهذه المسارات التي عرفتني أكثر على أرض الوطن و التمتع بالمشي في سهوله و تسلق جباله و الاسترخاء على شواطئه. كما تمتعت بالمشاركة في الفعاليات الثقافية المتنوعة. كما أن التقاعد وفر لي فرصة ثمينة لزيادة نشاطي في التوعية بقضية القرى المهجرة، وخاصة عمواس. وقد شمل ذلك جولات دولية، من بينها جولة في كافة المقاطعات الكندية، للحديث عن دور كندا في تغطية جريمة هدم القرية. و قد شجعت جولتي الجهات المنظمة لتقديم دعوى قضائية في كندا لرفع الصفة الخيرية عن مؤسسة الصندوق القومي اليهودي في كندا وحصلوا على قرار من المحكمة بوقف اعتبار التبرع للصندوق معفى من الضرائب.
كما واصلت نشاطي في العمل المجتمعي الذي كنت أقوم به سابقاً أثناء ترؤسي لجنة أهالي عمواس في التسعينيات، وتنظيم فعاليات بارزة، أهمها مسيرة العودة عام 1995، التي شارك فيها الآلاف ممن سكان القرى المهجرة و المنطقة، إضافة إلى ممثلي التنظيمات الفلسطينية المختلفين.
إضافة الى مرافقة فرق الاعلام المسموعة و المرئية المحلية و العربية و الاجنبية الى عمواس و الحديث عن جريمة هدم القرى الفلسطينية.
الوجع المزمن
تمر هذا العام، 2026، الذكرى التاسعة و الخمسين على حرب حزيران و إحتلال ما تبقى من فلسطين و تدمير قرى اللطرون و تهجير أهلها. لا زال وجع التهجير كامناً في ذاكرتي و لا زالت صور الرعب و شعور الضياع موجوداً. كثيرا ما أصطحب وسائل إعلام محلية و أجنبية إلى قرية عمواس للحديث عن جريمة التهجير و الهدم. ورغم كل هذه السنوات، لا زلت استحضر وجع التهجير و الإقتلاع حين أزور القرية أو أتحدث عنها، بل تشارك الدموع الكلمات أثناء استرجاع الذكريات. انه جرح لا يندمل، بل نتعلم فقط كيف نستمر في الحياة بوجود هذا الجرح.
لحظات السعادة
ورغم كل ما مرّ، أجد لحظات الفرح الأصدق في لقاءات العائلة الأسبوعية، حيث أجتمع بأبنائي وأحفادي حول مائدة أعدّها بنفسي. هناك، في ضحكاتهم، أجد امتداد الحياة ومعناها. الأحفاد الذين يكبرون الآن، حيث دخل أكبرهم "ابراهيم" الجامعة و تليه "شادية" التي تتحضر لنيل الثانوية العامة. و يليهما ألين و عمر و ياسمين و ألمى.
استمرار الرواية
اليوم، وأنا أكتب هذه السطور في عام 2026، أرى أن ما تمرّ به منطقتنا هذه الأيام من اعتداءات و قتل و تدمير، ليس سوى امتداد لمشروع استعماري بدأ تنفيذه في فلسطين منذ بداية القرن العشرين. ومع اقترابي من الثالثة والسبعين، أدرك أن الخطر لم يتراجع، بل تغيّرت أشكاله.
لكن ما لم يتغير هو إيماننا بأن الذاكرة، مهما تعرّضت للمحو، تبقى حيّة… وأن الحكاية، ما دامت تُروى، لن تنتهي.