X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أدب وشعر
اضف تعقيب
24/07/2021 - 05:24:52 pm
انفجار عائلي.. قصة: ناجي ظاهر

انفجار عائلي..

قصة: ناجي ظاهر

كانت الساعة العاشرة بالضبط عندما رنّ تلفونه النقال إلى جانب على المنضدة في مأواه الصغير. ترى من المتصل في هذه الساعة المتقدمة من الليل. الله يستر. تجاهل رنين الهاتف. إلا أن تلفونه واصل الرنين. عندها كان لا مناص امامه الا تناول هاتفه. رفعه بيده. إنها ابنته الصغرى راشدة. هي لا تتصل في مثل هكذا لحظة. او انها لم تعتد على الاتصال به في مثل هكذا وقت.

وجاءه صوت ابنته من بعيد:

- ابي هل سمعت انباء التفجير في احد المطاعم التركية.. في اسطنبول؟

تصنّع عدم المعرفة ليستمع إلى ما ستقوله:

- لا لم استمع.. ثم مالنا وما للتفجيرات واخبارها يا ابنتي.. العالم كله يتفجّر؟

ردّت ابنته بصوت أسيف:

- كيف مالنا ومال التفجيرات يا ابي. لقد قتل في التفجير واصيب عدد من الاشخاص بينهم اناس من هنا من بلادنا كانوا في زيارة لتركيا.

وتابعت:

- كيف تقول هذا يا أبي.. انت تعرف ان اختي رشيدة ستسافر غدًا هي وابنتها إلى اسطنبول.. وان هناك خطرًا حقيقيًا قد ينتظر الاثنتين هناك. لقد تحدثت إلى رشيدة.. قلت لها انها ينبغي أن تؤجل سفرتها إلى تركيا.. إلا انها رفضت الاصغاء لما اقوله.. وردت علي قائلة: المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين.. ثم انه لا مهروب من المقدّر لنا والمكتوب.

تابعت صغيرته تخوفاتها.. وتوقف الوالد عن الاصغاء.. سرح في حياته وفي دنيا ابنته. رشيدة ابنته تعتقد انها شبّت عن الطوق، ورأسها اقسى من ان يتمكن من التأثير عليها. بل انها وضعت رأسها برأسه ذات يوم وفاجأته بالعمل مذيعة في احدى الراديوهات المحلية. وعندما كان جالسًا مع عدد من اصدقائه ذات مساء. اتصلت به وقالت له إنها في طريقها إلى بحيرة طبرية. فسألها عمّا إذا كانت تطلب الاذن منه ام تخبره فقط... فردت بعجرفة بنت متمردة. أيوه.. انا انما اتصل بك لأخبرك. واقفلت الخط قبل ان يرد عليها. اقفل لحظتها تلفونه وايقن ان ابنته كبرت. وعليه ان يعرف كيف يتعامل معها وإلا أضرها بخوفه عليها. قسوة راس رشيدة هذه وهي كبرى ابنائه. ثلاث اناث وذكر واحد. وتمريره لها بتلك السهولة دفع بقية ابنائه لأن يحذوا حذوها. ولم تمض إلا حوادث قليلة قد تكون في عددها اقل من أصابع اليد. حتى سلم بالأمر الواقع. وقال لنفسه إنه عليه ان يذهب مع الانزلاق.. والا أوقع اصطدامًا قاتلّا سيندم عليه طوال حياته.

عندما وصل إلى هذا الحد من التفكير. كان يتساءل عمّا يمكنه ان يفعل. وأكد لنفسه انه يطلب منه هو الكاتب المعروف. ان يبذل جهدًا لإقناع ابنته الكبرى بالعدول عن تلك السفرة التي قد تخلّف له مصيبة سيندم عليها للابد. ومثلما يفعل الغريق.. وهو يصارع امواج الخطر.. اكد لنفسه انه يطلب منه ان يفعل شيئا.. على الاقل من باب الاحتياط واجب.. ليقل لابنته انه خائف عليها وليحاول ثنيها عما قررته من سفر.

ابناؤه كلهم يقيمون في "نتسيرت عيليت". رفضوا كلهم الإقامة في أي مكان آخر. واستمع اكثر من مرة إلى أحدهم يقول.. إننا لا نستطيع العيش في أي مكان آخر.. هنا تربّينا وترعرعنا ومن حقنا أن نبقى هنا. تقبل رشيد، وهذا هو اسمه، ما فرضه عليه ابناؤه من امر. رغم رغبته في أن يعيشوا في الناصرة. بين اقاربهم وابناء جلدتهم. ولم يكن امامه من مفر سوى الخضوع والقبول.. في الطريق إلى بيت ابنته رشيدة كان رشيد يفكر فيما يمكنه ان يفعل لإقناع ابنته بعدم السفر. وتصوّر ابنته وقد قضت في حادث مماثل لذاك الذي تحدّثت عنه صغيرته راشدة. فجن جنونه ورفع صوته دون ان يفكر مطالبا سائق الباص ان يسرع قليلًا. فما كان من السائق إلا أن هتف به قائلًا.. هل تريد ان اركّب جناحًا وأطير..؟ ادرك رشيد انه ارتكب احدى حماقاته التاريخية وابتسم للسائق راجيًا إياه أن يمرّر تلك الغلطة.. ابتسم السائق وتابع انطلاقه.. وهو يردد.. أما طلب غريب.. أما طلب غريب.

ما ان توقف الباص في حارة ابنته، حتى هرول يركض باتجاه الباب الامامي.. ونزل بسرعة.. وسط ذهول السائق.

في العاشرة والنصف إلا دقيقة كان رشيد يقرع باب بيت ابنته رشيدة. دخل منفوش الشعر مشوشًا. واتخذ مجلسه على إحدى الكنبات هناك في غرفة الاستقبال. خلال لحظات كان جميع من في البيت ابنته وزوجها وابنتهما عاشقة تركيا ومسلسلاتها والمُسبّب رقم واحد في هذه السفرة التي قد تكون اكبر كارثة في حياة رشيد وحياة عائلته. التفتت ابنته رشيدة إلى صمت والدها. فطلبت من زوجها وابنتها أن يدخلا إلى إحدى الغرف الجانبية، لتتمكن من التحدث مع والدها، فمن يعلم قد يجد والدها حرجًا ما في التحدث إليها فيما اتى به اليها في تلك الساعة غير المعهودة لزيارتها. بعد ان بقي جالسًا قبالة رشيدته وجهًا لوجه، كان لا بد من ان يفصح عن سبب مجيئه ذاك. سأل ابنته:

-هل تحدثت راشدتنا إليك اليوم؟

ردت رشيدة:

- تحدثت اكثر من مرة.. قال ايش يا سيدي.. تريد ان اؤجل سفري بسبب حادث التفجير وما أسفر عنه من قتل واصابات.. بعضها من هنا من الناصرة.

اشرأب الوالد براسه ناظرًا لابنته:

- اختك محقة يا ابنتي.. لماذا لا تؤجلين هذه السفرة حتى تهدأ الامور وتعود إلى استقرارها السابق؟

انفرجت اسارير وجه رشيدة قليلًا.. الآن أدركت سبب زيارة والدها غير المعهودة لها. اخرجت سيجارة من علبتها المارلبورو.. ومدّت العلبة إلى والدها عارضة عليه ان يسحب سيجارة من علبتها. فذكّرها والدها انه لم يدخن السجائر ولا مرة في حياته. فقالت له وهي تكاد تنفجر بضحكة هستيرية.. نسيت.. يقطعني.

قالت رشيدة:

- انت تضم رأيك الى رأي صغيرتك اذن.

ردّ الاب بتخاذل من علم مسبقًا ان كلامه سيكون مثل دخان يتبدّد في الفضاء:

- انا خائف عليك يا ابنتى.

سحبت رشيدة نفسًا طويلًا من السيجارة بين شفتيها وقالت وعيناها تتحركان في كل الاتجاهات.

- لا تخف يا والدي.. لا تخف.. انت تعرف أنني اعرف كيف أتصرّف في ساعة النحس. ثم انني لا استطيع ان اؤجل السفر في اللحظة الاخيرة.. أضف إلى هذا أن صغيرتي عاشقة تركيا ومسلسلاتها قد تجن اذا ما ارتكبت حماقة تأجيل سفرنا.

- ابنتك يا ابنتي ما زالت صبية غضة الاهاب.. وصغيرة على مثل هذه القرارات.

وحاول ان يعزف على الوتر الحساس:

- تصوّري يا ابنتي.. اقول تصوري ان مكروها حصل لابنتك هناك في بلاد الاتراك. او انك..

وصمت الأب فسألته ابنته:

- لماذا لا تكمل يا والدي.. أكمل قل أو أنني قتلت.. في حادث لا يرحم.

هنا وضع الاب يده على فم ابنته في محاولة منه لإسكاتها.. وتمتم معاذ الله.. معاذ الله.. سلامة عمرك يا ابنتي.. لكنني أريد أن أسألك ألا تخشين الموت إلى هذا الحد؟

انتصبت الابنة قبالة والدها:

- لا يا ابي لا.. لا أخاف الموت.. فهو قد يأتيني هنا وأنا في بيتي..

كان الأب يعلم أن ابنته عنيدة.. عنيدة جدًا.. رأسها أقسى من راس أمها التي طردته من بيته ليقيم وحيدًا في ذلك البيت الصغير. وعاد إلى نقاشات سبق وخاضها معها. قال لها صحيح أن الموت قد يأتينا ولو كنا في بروج مشيدة.. إلا اننا ينبغي ألا نذهب إليه بأقدامنا. وعبثًا حاول ان يقنع ابنته ان معظم ما يلحق بنا من ظلم ومعاناة انما هو في أغلبه من صنع أيدينا. فقد كانت الابنة ما أن يفتح بابًا للنقاش لإقناعها بما ارد اقناعها به. حتى تغلق ابوابًا.. وقال الأب من أعماق يأسه:

- أنت مصرّة إذًا على السفر حتى لو كلفك حياتك وحياة ابنتك.

فهزت الابنة رأسها علامة الإصرار، فما كان من الوالد إلا أن تحوّل الى كتلة من العجز وحمل نفسه منسلًا باتجاه باب البيت. خرج من البيت وهو لا يلوى على شيء. لقد اخفق مسعاه. فليعد نفسه لخبر قد يكون له ما بعده في حياته وحياة اسرته. ليعد نفسه كما يفعل اليائسون. ومضى في الشارع المحاذي لبيت ابنته. توقّف تحت شجرة وارفة. وهمت من عينه دمعة. ما لبث ان اخفاها وهو يرى ابنته الصغرى راشدة تقترب منه. اقتربت صغيرته وطلبت منه أن يرسل نظره إلى شرفة بيت ابنته رشيدة. أرسل الأب المكلوم نظره إلى هناك ليرى جميع افراد اسرة ابنته وهم يهتفون باسمه طالبين منه أن يعود.. عندها أيقن أن رشيدته إنما كانت تمازحه.. وانها لن تعصى له طلبًا.. ما دام يحبها كل هذا الحب.




Copyright © elgzal.com 2011-2021 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت