أدب وشعر
16/04/2025 - 09:53:51 am
المرتقى العظيم (إلى حسين فاعور.. رفقة درب وشراكة حلم )
المرتقى العظيم
(إلى حسين فاعور.. رفقة درب وشراكة حلم )
قصة: ناجي ظاهر
قال وهو يلهث ورائي، انا اللاهث الابدي، ويرسل نظرة شبه يائسة الى المرتقى العالي .. المرتفع السامق امامنا:
-تعبت.. لم يعد بإمكاني المواصلة. بإمكانك ان تواصل انت. طاقتي اوشكت على النفاذ. دعني هنا.. لتأكلني الذئاب.
ارسلت نحوه نظرة آسية، حاولت ان اشحنها بشيء من الامل. كانت عيناه تتقاربان وتقلصان المسافة الفاصلة بينهما الى حد كبير لم يسبق لي أن رأيته، رغم ما اعتور علاقتي به من تباعد، خلال العشرات من السنين، عندما التقينا اول مرة في اوائل السبعينيات، كان اول ما لفتني فيه تقلص تلك المسافة الواقعة بين عينيه، خاصة عندما اضبطه متلبسا بنوع من الياس والإحباط، بعد تلك الفترة انقطع كل منا عن الآخر، وغاب هو عني، الا ان تلك المسافة بين عينيه بقيت اشارة تربطني به، حتى في غيابه، وقد بقي تلك المسافة رابطا يربطني به رغم الغياب، الى ان التقينا قبل ايام، واتفقنا على ان نشرع في رحلتنا هذه.
قلت له:
-لن تأكلك الذئاب.. لن ادعك لها.. ما مضى في المرتقى اقل بقليل.. اصبر قليلا وسوف نصل.
ارسل نظرة الى الوراء:
-لنعد الى حيث كنا.. الليل هنا يبدو موحشا.
احتضنته بحنو أب.. لا.. بحنو صديق محب وحسب:
-اصمد قليلا.. العودة باتت مستحيلة.
قال وهو يرسل نظره إلى الأعلى:
-لنعد.. لنجرب..
كنت اعرف ان وقت التجارب قد ولّى، وانه ليس بإمكاننا العودة، ارسلت نظرة الى الخلف، إلى الاسفل، إلى هناك حيث غادرنا مرابعنا المشتركة. أردت أن اقول له لا يمكننا ان نعود، الا انني خشيت من القضاء على ما تبقى لديه من امل، "كيف يمكنني مواصلة الصعود بدونه؟"، تساءلت بيني وبين نفسي، وملت عليه مرة اخرى:
-كن قويا.. علينا ان نواصل.
بدا أن هذه الكلمة الاخيرة دبّت فيه شيئًا من الحماس القديم، فوقف على رجليه، وسار الى جانبي، كأنما هو نسي ما حلّ به من تعب وارهاق، او كأن ما عاشه.. لحظات من الراحة، دببّ الحياة فيه مجددا، وانطلقنا دون ان ننبس ببنت شفة، كنا مدركين، رغم ما خالجنا من مشاعر يأس، انه لا بد لنا من المواصلة وان العودة لم تعد ممكنة، بل انها قد تودي بنا الى نهايتنا.
بعد ساعات، ابتدأ الظلام بالهبوط، وابتدأ الوهن يدب في اطرافي، استلقيت حيث انا، ولم افه بأية كلمة. كنت خائفا من ان ادب اليأس في قلبه فيتوقف عن الصعود، وتنتهي رحلتنا حيث توقفنا، دون ان نحقق المنشود منها ونصل إلى حيث جنة املنا. قلت له:
-لنرتح قليلا.. بعدها نواصل الصعود.
اتسعت المسافة ما بين عينيه، وبدا كأنما هو اراد ان يتبادل معي الدور، ويتولى القيادة:
-لنمض قليلا.. الظلام لما يُطبق علينا بعد..
ارسلت نحوه ابتسامة آملة، هكذا اريدك يا صديق. لتكن عونا لي، مثلما كنت لك، ليكن كل منا عونا للآخر، لا حلّ امامنا سوى مواصلة الصعود، أعرف ان المرتقى صعب، لكن علينا المواصلة، كي لا نموت او.. تأكلنا الذئاب. بدا أن ما قالته له عيناي، قد دبّ الحماس فيه مُجدّدًا، فمدّ يده نحوي كذلك فعلت انا.. وواصلنا الصعود.
المرتقى أمامنا لم يكن سهلا، لذا اتكأ كل منا على الآخر، ومضينا، كأنما نحن اتفقنا، دون ان نتفق، على ان يكون أحدُنا عكازًا للآخر.. رفيقه في الارتقاء. عندما اطبقت علينا سدف الظلام، كان التعب قد اخذ منّا مأخذًا كبيرًا، استلقينا نحن الاثنين كلٌّ بمواجهة الآخر، ورحت أحدّق في المسافة الفاصلة بين عينيه، لاكتشف أنه هو أيضًا كان يحدّق في المسافة ذاتها. سألني وهو يفيض ارهاقا:
-متى سنصل القمة؟
وضعت قناع الحكمة على عينيّ، وأجبته:
-مَن سار على الدرب وصل.
أرسل نظره في الظلام المحيط بنا:
-ولماذا نرهق أنفسنا كل هذا الإرهاق والظلام يحيط بنا من كل صوب وجانب؟
سوّيت قناعَ الحكمة والبسته وجهي جيدًا وقلت له بتصميم:
-لا مفرّ أمامنا وقد قطعنا كلَّ هذه المسافات من مواصلة الصعود.
وزدت أقول له بتصميم أكبر:
-ألم نتفق منذ البداية على الصعود.. مهما كلفنا الأمر؟
قلّص المسافة بين عينيه إلى اقصى ما أمكنه تقليصها.. واكثر مما فعل في كل التقليصات السابقة:
-لكن الرحلة مرهقة.. والظلام يكاد يُطبق علينا بفكيه..
وتساءل كمن فطن امرًا كاد ينساه:
-هب اننا بلغنا القمة ولم نجد هناك سوى البرد والفراغ.. عندها ماذا بإمكاننا ان نفعل ؟
غرست عيني في عينيه وقلت بتصميم بات:
-عندها نكون قد ادينا ما علينا.
وواصلنا الصعود. بهمة شباب.. نسوا.. ان يشيخوا