تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
الشاعر جورج نجيب خليل: شجرة عبلين دائمة الخضرة.
بقلم:المحامي علي أحمد حيدر
لقد أحيينا مساء أمس ذكرى مرور ربع قرن على وفاة الأديب والشاعر جورج نجيب خليل، ابن قريتي الجليلية عبلين. وقد بادر إلى تنظيم هذه الأمسية القيّمة المجلسُ المحلي، بالتعاون مع عدد من مؤسسات العمل الأهلي والثقافي في البلدة، وبمشاركة أبناء عائلة الشاعر الراحل.
وقد كتبتُ في سجلّ الذكريات ما يلي:
"الأديب جورج نجيب خليل، علمٌ بارز من أعلام عبلين، شجرةٌ دائمة الخضرة، وشاعرٌ متميّز في حركة الشعر العربي. له مكانٌ دافئ في القلب والذاكرة، وعصيٌّ على النسيان."
لقد جمعتني بالشاعر الراحل قواسمُ مشتركة كثيرة؛ فقد كانت تربطه علاقة طيبة وقريبة جدًا من والدي وأعمامي، كما كان بيته قريبًا من بيتنا. وجمعنا كذلك حبّنا لعبلين، والتأكيد الدائم على وحدتها، إضافة إلى التشارك في الهمّ الاجتماعي والاهتمام الثقافي.
عرفتُ الشاعر منذ كنتُ طفلًا، إذ كانت جميع دواوينه وكتبه متوفرة في مكتبة والدي. وكان أبي، رحمه الله، يردّد دائمًا أن الأستاذ جورج أصدر أول كتاب بعد النكبة بعنوان "ورد وقتاد". فقرأنا أشعاره ومقالاته منذ طفولتنا. وبعد ذلك، كنا نتردد على مكتبته لاقتناء القرطاسية والكتب، وللاستزادة من الحديث معه.
وأذكر مرةً، وأعتقد أنني كنتُ طالبًا في المرحلة الإعدادية، أنه أصدر نشرةً أو مجلة، وأذكر تحديدًا أنها صدرت بعد إحدى انتخابات الكنيست، واشتملت، ضمن ما اشتملت عليه، على أسماء جميع أعضاء الكنيست المنتخبين وانتماءاتهم الحزبية. فاشتريتُ العدد بخمسة شواقل، وحفظتُ أسماء أعضاء الكنيست عن ظهر قلب.
غير أن علاقتي به توثّقت أكثر عندما كنتُ رئيسًا لمجلس الطلاب لمدة ثلاث سنوات في كلية مار الياس في عبلين. ومن بين النشاطات التي بادرنا إليها إصدار مجلة مدرسية أسميناها "الشعلة"، وكانت مجلة طلابية شاملة. كنتُ أُعنى بجمع المقالات والأشعار والمساهمات من الطلاب والطالبات، مكتوبة بخط اليد على أوراق عادية، وكنتُ قلقًا بشأن كيفية طباعتها، ومن سيتولى تدقيقها، وأين ستُطبع، ومن أين سنؤمّن التمويل.
توصلتُ حينها إلى فكرة جمع تبرعات من الطلاب، شيقلًا أو شيقلين، على ما أذكر، يكون ثمنًا للمجلة. فجمعنا مبلغ 2500 شيقل. وبعد أن توفّر المبلغ، وتشاورْتُ مع والدي، أوصاني أن أتوجه للتشاور مع الأستاذ جورج.
ذهبتُ إليه، وهناك شعرتُ أنني أقترب من شخصٍ من عالمٍ آخر: قمة في التواضع، والأخلاق، والإخلاص؛ موسوعة معرفية، ومُحدّثٌ جميل. طرحتُ عليه الفكرة وقلتُ له إننا نريد إصدار هذه الأوراق في مجلة، لكن إمكانياتنا محدودة. فقال لي: لا تقلق، أنا مستعد أن أقوم بهذا العمل، فقد أصدرتُ عدة مجلات في حياتي. صحيح أن المبلغ قليل، لكنني سأتولى طباعتها وتدقيقها والإهتمام بإصدارها.
ثم أخذ يشرح لي بتوسّع كيف تتم عملية الطباعة، ومراحلها، ومتى سيذهب إلى حيفا، ومتى ستُجهَّز الأوراق الشمسية، وغيرها من التفاصيل. شكرته على استعداده وجاهزيته وتضحيته، وكنتُ أتردد عليه كل بضعة أيام للحديث عن المجلة، وعن قضايا ثقافية أخرى، وقد واصلنا التعاون معه في الأعداد التالية، وفي أصدار عدد من مجلة" النجوم الثلاثة"، كانت ثمرة تعاون بين مجالس الطلاب في عبلين وعرعرة وكفرقرع.
وقد انطبعتُ من تواضعه وإخلاصه ودقته، وكذلك من إحساسه بمحاولات التعتيم عليه أو التقليل من شأنه من قبل بعض نقاد الأدب العربي الذين لم يُنصفوه. وقد شكا لي ذات مرة، بمرارة من كاتب أردني ذكر في كتاب كان يعمل على إصداره أن سميح القاسم، ومحمود درويش، وسالم جبران، وجورج نجيب خليل، جميعهم عُرفوا بوطنيتهم، باستثناء جورج نجيب خليل. ولاحظتُ حينها مدى الغضب والمرارة التي تحدّث بها.
وفي مرةٍ أخرى، حين رافقني من غرفة المكتبة إلى بوابة الساحة، وكنتُ يومها طالبًا في المرحلة الثانوية، وكان الطريق من المكتبة إلى البوابة مائلًا ومنحدرًا، تحفّه أشجار الحمضيات والزهور من الجانبين، قال لي:
"أنا سعيد يا علي، لأنني حين أخرج من بيتي أنظر إلى الأعلى أثناء صعودي في هذا الممر، بخلاف من يسكن في مكانٍ مرتفع وينظر إلى الأسفل."
وفي إحدى محادثاتنا، لفت انتباهي إلى أن اجتماع حروف "ج" و"ص" أو حروف "س" و"ذ" لا يمكن أن يجتمعا في كلمة عربية أصيلة، وإذا وُجد، فهي غالبًا مأخوذة من لغة أخرى كالفارسية أو غيرها.
هناك العديد من اللقاءات والحوارات والنقاشات التي دارت بيننا، لا مجال لعرضها هنا. لكنني أذكر أيضاً أنه عندما كنتُ في سن العاشرة، وكنتُ أشارك في مخيمات النادي الأهلي، نَظَم الشاعر جورج نجيب خليل قصيدةً على وزن: «بلادي بلادي لك حبي وفؤادي»، أثنى فيها على عبلين وأهلها وقيمها. حفظتُ القصيدة عن ظهر قلب، وكنتُ أنشدها في مناسبات عديدة، ويرددها المشاركون من بعدي، وما زلتُ أحفظها حتى اليوم.
لسنا هنا في إطار تقييم المنجز الأدبي الغزير والمتنوع لجورج نجيب خليل، لكننا نؤكد أن له علينا حقًّا في تقديره، وحفظ ذاكرته، ونشر أدبه، ودراسته. فقد كان من أبلغ الأدباء العرب في المرحلة المعاصرة، ومن أكثرهم تمكّنًا من الشعر العربي وعَروضه. والأهم من كل ذلك، أنه كان إنسانًا بكل ما في الكلمة من معنى: أحبّ الناس، وأحبّ أهل بلدته ووطنه، وصمد وأبدع رغم الظروف الصعبة والقاسية التي نشأ في ظلها، والمصاعب التي تكبّدها.

