X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أدب وشعر
اضف تعقيب
20/04/2026 - 02:56:14 pm
الشاعر المغربي إدريس الملياني راس  اللفعة

الشاعر المغربي إدريس الملياني

راس  اللفعة

إلى الشاعر عبد الرحيم الخصار

 

1

رأس الأفعى

ليس في آسفي

ولا عند سيدي بوزيد

حيث المصطافون

يرممون صيفهم

على حافة موجة عابرة،

ولا في الصور التي يلتقطونها

ليثبتوا أنهم مروا من هناك

وليس في الجدارية الأثرية

        والمجسم الحجري

الذي يتقوس للذكرى

كأفعى تعلمت الوقوف

كي تصادق السائحين

ليس في  بوصيدون

الذي عبر اسمه الأمازيغي

 من لغة إلى أخرى

تاركا على كل ضفة ظلا وارفا

من رمحه الثلاثي السنان

ولا في البحر

حين يقلد آلهته الأسطورية

 يروي هيرودوت

وقد تأخر عن الحكاية قليلا:

أن الآلهة تحجب نبوءاتها

لكن الماء يحتفظ بذاكرته الأولى

ويحكي حانون القرطاجي

في رقيم مالح:

أبحرت غربا

حتى صارت الشمس

حجرا أثقل

من أن يحمل

وبنيت في البدوزة

معبدا لبوصيدون

في _ق. 5 ق.م._

لكن معبدا ما

لم يبن فوق الأرض كله

وأن نصفه الآخر

قد غرق…

ليكمل صلاته في العمق

هناك عند رأس كانتان

حيث منارة الكاب لا تنير البحر فقط

بل تضيء حتى ما توارى منه في الظلام

تحت طبقات الملح

وصدأ الحكايات

تنام مدينة لم تكمل جملتها

كلما حاولت الصعود

أعادها الماء إلى بدائيتها

تيغالين

أو اسم آخر،

نسيه الناجون،

نوافذها تطل من الأسفل،

كلما ناداها حجر

سرطه الموج 

هناك رأس الأفعى

ليس رأسا يرى

بل أثر التفاف في الوجود

علامة لدغة قديمة

لم تشف منها الجغرافيا

كلما رفعوا تمثالا  لها

في اليابسة

ضحكت في الماء

وكلما أنكروها

تسربت إلى العروق

كأسطورة تتقن الاختباء

رأس الأفعى

ليس حيث تشير الخرائط

بل أين ينكسر المعنى

بين ما غرق

وما لا يزال يدعي النجاة.

2

رأس بلا جهة

ليس له مكان

كي يزار

ولا اسم

كي ينادى به

كل ما في الأمر

أن البحر

يتذكره…

حين يخطئ في هديره

وأن البسيطة  ترسمه أحيانا

على هيئة التفاف مجسم

حجري

ثم تنسى لماذا فعلت ذلك

قال شيخ من زمن بلا كتابة:

إن الآلهة أسماء مهاجرة

تبدل جلودها

لكن ما يلدغ

يحتفظ بالألم طويلا

وأكد رحالة

أن بعض المعابد

تبنى ناقصة

نصفها صلاة

ونصفها غرق

ومنذ ذلك الحين

والمنارات

لا تضيء الطرق

بل تلوح لشيء ما

 لم يعد يلوح

في الأفق

مدينة تجيد الغياب

تعيد خياطة خرائطها

كلما فقدت ذاكرة،

وتخفي رأس الأفعى

في أول اسم

 ينساه الناجون

رأس الأفعى ليس ما تبحث عنه

بل ما يتبقى بعد أن تسقط كل الأمكنة

من المعنى

هو الانحناءة الخفية في فكرة النجاة

الشرخ الصغير في يقين اليابسة

هو _ حين تظن أنك أفلت _

أول التفاف يبدأ من داخلك.

3

في ذيل الحكاية لا أحد يرى الرأس

لكن جميعا يمشون بحذر غامض

كأن الأرض تخفي تحتها

فكرة التفاف قديم

كل طريق مستقيم

ينحني قليلا حين لا ننتبه

وكل نجاة  تترك خلفها

أثر لدغة لا تفسر

ربما لم تكن الأفعى هناك أبدا…

ربما نحن  من تعلم

أن يزحف داخل نفسه

ثم نسي كيف يخرج

لا رأس هناك

هذه أول كذبة

ثم قيل لنا: ابحثوا جيدا

فكل لدغة لها جهة

لكن الجهات كانت تنحني

كلما اقتربنا

البحر لا يعترف

اليابسة تتواطأ

والأسماء

تتساقط كجلود مهترئة

قيل: نجونا

لكن  النجاة  كانت مجرد

 تأجيل طويل للسم

ما غرق لم يختف،

وما مكث لم يسلم

في مكان ما _ أو في لا مكان_

تلتف الحكاية حول نفسها

حتى تختنق

وهناك فقط نفهم متأخرين:

أن الأفعى لم تكن تبحث عن رأسها

بل عنا.

4

هكذا إذن_

لا رأس يرى

ولا نجاة ثابتة

فقط هذا الأثر

الذي يمشي فيك

كأنه أحدك الآخر

الحقيقة؟

أن الأفعى لم تكن يوما

خارجك

وأنّ كل ما غرق

ليس إلا محاولة

ليريك ذلك داخلك

وفي النهاية

حين تتعب من تتبع الأثر

وتتخلى عن الخرائط

كما لو كانت خطأ طويلا

ستجلس قرب المعنى

دون أن تمسكه

هناك فقط ستفهم متأخرا:

أن البحر لم يكن يخفي شيئا

بل كان يعيدك إلى نفسك

وأن كل التفافات الطريق

لم تكن إلا تدريبا خفيا

على شكل السقوط في الداخل

وأن رأس الأفعى لم يكن ضائعا

بل كان ينتظر أن يتوقف البحث عنه

خارجه

ما يتبقى إذن

ليس حكاية عن بحر

ولا عن معبد ناقص

ولا عن مدينة نائمة

تحت الملح

ما يتبقى هو هذا الشك

الذي لا تستطيع اقتلاعه

هذا الإحساس بأنك تمشي

فوق شيء لم يستقر بعد

وأن كل يقين تحمله بعناية

قد ينحني فجأة دون سبب

كما لو أن العالم

ليس أرضا

بل أن أفعى مرت من هنا

وما زال جسدها

يغيره جلدها

ويعيد رسم الطريق.

5

وفي آخر ما يقال:

لا يحدث شيء واضح

فقط

تتخفف الأشياء من أسمائها

يتراجع الصوت إلى صداه

ويصير البحر أقل ضجيجا

وأكثر ذاكرة

وأنت تواصل الجريان

لكن بخفة راكضة وراكدة

كأنك عرفت أخيرا

أنّ النجاة ليست خروجا

بل طريقة أخرى

للوقوف داخل الالتفاف

والآن بعد كل هذا

بعد المدن الغارقة

والآلهة التي تتبدل  أسماؤها

والمعابد التي لا يكتمل بناؤها

لم يبق إلا أن تجرب شيئا واحدا:

أن تتوقف

أن لا تبحث

أن لا تفسر

أن لا تنظر

فإن شعرت في تلك العتمة

القاتمة_ بانحناءة صغيرة

تمر في داخلك

فاعلم:

أنّك لم تصل

بل بدأت أخيرا

تلتقي بالرأس.

6

ردد

لا لأنك تؤمن

بل لأن الترديد

هو ما يبقى حين يفشل الفهم:

أن ما التف لن يستقيم

أن ما غرق لن ينتهي

أن ما لدغ لن ينسى

ردد

حتى يخمد الصوت

حتى يعود الصمت أعمق

وهناك حيث لا جواب

ولا وجه ستعرف:

أنّ الرأس

لم يكن سوى اسم آخر

لهذا الالتفاف الذي أنت فيه

وفي النهاية

حين تتعب من تتبع الأثر

وتسقط من يدك الخرائط

كما لو أنها لم تخط قط

لن ترى البحر

ولا المدينة الغارقة

ولا الإله الذي تأخر اسمه

سترى شيئا أخف

وأثقل:

هذا الانحناء الصغير

في داخلك

هناك حيث لا طريق واضح

ولا نجاة مكتملة

ولا معنى يستقيم طويلا

ستفهم _لا فجأة، بل ببطء

يشبه الغرق

أنّ كل ما رأيته كان يتدرب

على يقظة هذه اللحظة

وأن المعبد الناقص

لم يكن في الحجر

بل فيك

وأن المدن التي غرقت

لم تذهب بعيدا

بل نزلت درجة واحدة

في عمقك

حينها لن تسأل:

 أين الرأس؟

لأن السؤال نفسه

سيكون قد انحنى

وستدرك دون حاجة إلى يقين:

أن ما التف حول العالم

لم يكن يبحث عن نهايته

بل عن شكل يسكنه

وأنك_ وأنت تنهي هذه القصيدة_

لا تخرج منها

بل تلتف أكثر.




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت