X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أدب وشعر
اضف تعقيب
29/04/2026 - 10:55:27 pm
قصة قصيرة تُفَّاحَةٌ على الحُدُودِ بقلم:أماني بقاعي – الشيخ

قصة قصيرة

تُفَّاحَةٌ على الحُدُودِ

بقلم:أماني بقاعي – الشيخ

 

لَا أُرِيدُ لِشَيْءٍ أَنْ يَنْتَهِي.

تَنَهَّدَتْ، وَأَتْبَعَتْهَا بِزَفْرَةٍ مَعْجُونَةٍ بِوَجَعٍ دَفِينٍ.

كَرَّرَتْ عِبَارَتَهَا: لَا أُرِيدُ.

أَسْنَدَتْ رَأْسَهَا إِلَى حَافَّةِ النَّافِذَةِ، وَذَرَفَتْ بَعْضَ دُمُوعِهَا لِيُبَلِّلَ وَجْهًا غَزَتْهُ التَّجَاعِيدُ بَاكِرًا، حَتَّى بَدَتْ أَضْعَافَ عُمْرِهَا.

رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَى سَمَاءٍ مُلَبَّدَةٍ، يَخْتَلِطُ فِيهَا سَوَادُ الغَيْمِ بِبَعْضِ الأَضْوَاءِ، وَتَتْبَعُهَا أَصْوَاتٌ تُرَقِّصُ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ رَقْصًا.

تَرَاجَعَتْ مَصْدُومَةً مِنْ قُوَّةِ الصَّوْتِ، وَغَزَا رَأْسَهَا أَلْفُ فِكْرَةٍ.

حَدَّثَتْ نَفْسَهَا:

لَا عِيدَ، وَلَا مُنَاسَبَةَ، وَلَا احْتِفَالًا وَطَنِيًّا...

إِذًا لِمَاذَا كُلُّ هَذِهِ الجَلَبَةِ؟

مَرَّتْ بِجَانِبِ نَافِذَتِهَا النِّصْفِ مَفْتُوحَةٍ عَلَى دُنْيَا تُطِلُّ عَلَى الآخِرَةِ: عَرَبَةُ جَيْشٍ، وَجُنُودٌ مُدَرَّعُونَ، عَلَى رُؤُوسِهِمْ خُوَذٌ كَالقُدُورِ؛

قُدُورًا فَارِغَةً، كَتِلْكَ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى نَارٍ شَحِيحَةٍ، وَيُصَبُّ فِيهَا قَلِيلٌ مِنَ المَاءِ وَبَقَايَا الخُضَارِ، لِيُعَدَّ مَرَقٌ يُشْبِهُ المَرَقَ.

صَرَخَ أَحَدُهُمْ:

أَغْلِقُوا النَّوَافِذَ وَالْزَمُوا البُيُوتَ!

فَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَّا أَنْ تُطِيعَ وَتُلَبِّيَ النِّدَاءَ.

تَكَوَّرَتْ عَلَى نَفْسِهَا فِي أَحَدِ زَوَايَا الغُرْفَةِ الدَّاخِلِيَّةِ؛

غُرْفَةٌ تَكْسُوهَا العَتْمَةُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، لَا نَافِذَةَ فِيهَا، وَمِصْبَاحُهَا مَكْسُورٌ مُنْذُ زَمَنٍ.

تَوَقَّفَتْ بُرْهَةً عَنِ التَّفْكِيرِ، وَصُمَّتْ أُذُنَاهَا؛ فَالصَّوْتُ فِي الخَارِجِ مُرْعِبٌ إِلَى حَدٍّ تَنْسَى مَعَهُ اسْمَكَ وَفَصْلَكَ وَأَصْلَكَ، وَتَبْقَى مُعَلَّقًا عَلَى جِدَارِ ذَاكِرَةٍ آيِلَةٍ لِلسُّقُوطِ فِي بِئْرٍ خَاوٍ.

أَمَّا هِيَ فَمِسْكِينَةٌ تَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا المَبْحُوحِ:

يَكْفِي... أَلَا يَكْفِي؟

كَانَ بَيْتُهَا أَعْلَى الجَبَلِ، عَلَى طُولِ الخَطِّ الحُدُودِيِّ.

مَعَ كُلِّ ضَرْبَةٍ كَانَتْ تَتَكَوَّرُ أَكْثَرَ، وَتَئِنُّ مِنْ أَلَمِ الأَصْوَاتِ المُتَرَاكِضَةِ فِي سَمَاءٍ ضَاقَتْ لِهَوْلِ مَا رَأَتْ.

وَكَانَ لِكُلِّ ضَرْبَةٍ ذَاكِرَةٌ تَهُزُّ كِيَانَهَا وَتُعِيدُهَا إِلَى أَيَّامٍ وَلَّتْ.

كَيْفَ لَهَا أَنْ تَنْسَى اليَوْمَ المَوْعُودَ؟

خَرَجَتْ بِرِفْقَتِهِ إِلَى البُسْتَانِ، تَكَادُ تَطِيرُ مِنَ الفَرَحِ.

اليَوْمُ يَوْمُ القَطْفِ، اليَوْمُ المُنْتَظَرُ.

كَانَتْ تُرَاقِبُ الشَّجَرَ شَجَرَةً شَجَرَةً؛

كَانَتْ حَارِسَتَهَا الأَمِينَةَ، وَاليَوْمَ حَانَ الوَقْتُ لِتَرُدَّ لَهَا الأَشْجَارُ بَعْضَ الجَمِيلِ.

أَشْجَارُ تُفَّاحٍ تُدَلِّي أَغْصَانَهَا مُحَمَّلَةً بِجَوَاهِرَ مُضِيئَةٍ.

كَانَتْ تَرْكُضُ بِرِفْقَةِ جَبَلٍ، فَهِيَ تَشْعُرُ أَنَّهَا طِفْلَةٌ لَا تَكْبُرُ بِجَانِبِهِ.

هُوَ كُلُّ دُنْيَاهَا وَمَا تَبَقَّى لَهَا.

وَصَلَا إِلَى البُسْتَانِ، وَلَمْ يَكُنْ يَبْعُدُ سِوَى بِضْعَةِ أَمْتَارٍ عَنْ مَنْزِلِهِمَا الرِّيفِيِّ المُتَوَاضِعِ.

بَدَأَ السِّبَاقُ، كُلٌّ مَعَ سَلَّةِ قَشٍّ؛

هُوَ مَسْؤُولٌ عَنِ التُّفَّاحِ الأَخْضَرِ، أَمَّا هِيَ فَمَسْؤُولَةٌ عَنِ التُّفَّاحِ الأَحْمَرِ.

وَبِحَرَكَةٍ طُفُولِيَّةٍ أَعَادَتْهَا إِلَى زَمَنِ اللَّعِبِ، عِنْدَمَا كَانَ اللَّعِبُ لَعِبًا، قَالَتْ:

وَاحِد... اثْنَان... ثَلَاثَة... وَانْطَلَقَا، كُلٌّ إِلَى هَدَفِهِ، عَلَى أَنْ يَلْتَقِيَا عِنْدَ امْتِلَاءِ السَّلَّتَيْنِ.

كَانَ جَبَلٌ طَوِيلَ القَامَةِ، عَرِيضَ المَنْكِبَيْنِ، حَادَّ العَيْنَيْنِ، قَمْحِيَّ البَشَرَةِ.

أَمَّا نَرْجِسُ فَكَانَتْ طَوِيلَةً رَشِيقَةً، شَعْرُهَا أَسْوَدُ مَجْدُولٌ حَتَّى الخَصْرِ، بَشَرَتُهَا بَيْضَاءُ نَاصِعَةٌ، وَخُدُودُهَا وَرْدِيَّةٌ.

صَوْتُهَا دَافِئٌ حَنُونٌ، تَقْطِفُ التُّفَّاحَ الأَحْمَرَ وَتُغَنِّي، فَتَتَمَايَلُ الأَشْجَارُ طَرَبًا.

غَابَ جَبَلٌ بَيْنَ أَشْجَارِ التُّفَّاحِ، وَتَبَاعَدَ طَرِيقُهُمَا.

هِيَ تَقْطِفُ وَتَغِيبُ كَالشَّمْسِ فِي بَطْنِ البَحْرِ،

أَمَّا هُوَ فَيَقْطِفُ كَشَمْسٍ تَخْطَفُهَا السَّمَاءُ.

قَطَفَ وَقَطَفَ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى آخِرِ شَجَرَةٍ؛

شَجَرَةٌ شَقِيَّةٌ نَبَتَتْ أَغْصَانُهَا بَيْنَ بَيْنَ.

شَجَرَةٌ مُلَغَّمَةٌ.

كَادَ أَنْ يَتْرُكَهَا، لَكِنَّ ثِمَارَهَا النَّاضِجَةَ أَغْرَتْهُ، وَرَائِحَتُهَا العَطِرَةُ أَسْكَرَتْهُ.

قَالَ فِي سِرِّهِ:

سَأَقْطِفُهَا، وَأُخَبِّئُ ثِمَارَهَا فِي جَيْبِي لِنَرْجِسَ الرُّوحِ.

وَمَا إِنْ مَدَّ يَدَهُ لِيَقْطِفَ قِطْفَتَهُ، حَتَّى قَطَفَتْ رَصَاصَةٌ خَاطِفَةٌ قَلْبَهُ، وَأَرْدَتْهُ قَتِيلًا بِلَا حِرَاكٍ.

نَعَقَ غُرَابٌ، وَطَارَ إِلَى البَعِيدِ.

جَفِلَتْ نَرْجِسُ، وَارْتَعَشَتْ يَدَاهَا، فَسَقَطَتِ السَّلَّةُ كُلُّهَا، وَتَدَحْرَجَتْ حَبَّاتُ التُّفَّاحِ الحَمْرَاءِ حَيْثُ لَا حُدُودَ.

رَكَضَتْ نَحْوَ الصَّوْتِ، تُنَادِي:

جَبَل... جَبَل...

بَقِيَ صَامِتًا عَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ.

رَكَضَتْ وَكَأَنَّ الدَّرْبَ لَا يَنْتَهِي.

حَتَّى وَصَلَتْ، وَرَأَتْهُ مُلَطَّخًا بِدِمَاءٍ كَلَوْنِ تُفَّاحِهَا، مَمْدُودًا كَأَنَّهُ نَائِمٌ، وَيَدُهُ تَقْبِضُ عَلَى تُفَّاحَةٍ.

اقْتَرَبَتْ وَهَمَسَتْ:

جَبَل...

مَدَّتْ يَدَهَا، وَمَسَحَتْ وَجْهَهُ المُبْتَسِمَ، وَضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا، وَصَرَخَتْ حَتَّى أَبْتَلَعَ الجَبَلُ صَوْتَهَا، فغَابَ مَعَ مَنْ غَابَ وَرَحَلَ، وَكَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِتُوَدِّعَ مَنْ تُحِبُّ، وَتَبْقَى وَحْدَهَا فِي مِضْمَارِ الحَيَاةِ.

بَقِيَ التُّفَّاحُ يَنْتَظِرُ قَاطِفَهُ، لَكِنْ دُونَ جَدْوَى.

فَفِي كُلِّ عَامٍ تَطْرَحُ الأَشْجَارُ تُفَّاحَهَا طَرْحًا، وَكَأَنَّهَا تَبْكِي شَبَابَ جَبَلٍ وَهَرَمَ نَرْجِس.

لَمْ تَعُدْ طِفْلَةً؛ فَقَدْ سَرَقَهَا الزَّمَنُ إِلَى زَمَنٍ آخَرَ خَاوٍ خَالٍ بَاهِتٍ، لَا أَحْمَرَ فِيهِ وَلَا أَخْضَرَ.

تَاهَتْ بَيْنَ حُدُودِ زَمَنَيْنِ.

أَيُّ ذَنْبٍ ارْتَكَبَ؟

لَمْ يُرِدْ سِوَى قِطْفِ تُفَّاحَةٍ!

أَهَذَا جَزَاءُ المُحِبِّ؟

لَعْنَةٌ عَلَى ذَلِكَ البُرْجِ، لَا يَعْتَلِيهِ إِلَّا الشَّيَاطِينُ.

حَمَلَتْهُ كَطِفْلٍ بَيْنَ ذِرَاعَيْهَا، وَضَمَّتْهُ، وَهَلْهَلَتْ لَهُ:

"يَلّا تِنام، يَلّا تِنام،

لِجَبَلِك طَيْرُ الحَمَام."

ابْتَلَعَهُ القَبْرُ، كَأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ زَائِرَهُ الجَدِيدَ.

فِي آخِرِ البُسْتَانِ، كَانَ قَبْرُهُ تَحْتَ شَجَرَةِ تُفَّاحٍ أَخْضَرَ.

غَطَّتْهُ بِتُرَابِ الأَرْضِ الَّتِي أَحَبَّ، وَرَتَّبَتْ سَرِيرَهُ الأَبَدِيِّ، وَرَصَّتْ الحِجَارَةَ بِعِنَايَةٍ، حَجَرًا حَجَرًا، لِتَرْسُمَ لَهُ حُدُودَهُ.

وَهَكَذَا مَا بَقِيَ مِنْهُ سِوَى قَبْرٍ شَاهِدٍ.

عَادَتْ دُونَهُ، وَشَعَرَتْ بِأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، وَكَادَتْ أَنْ تَنْسَى طَرِيقَ العَوْدَةِ.

تَتَالَتِ الأَيَّامُ، وَنَرْجِسُ لَمْ تَعُدْ نَرْجِسَ؛ بَهَتَ لَوْنُهَا، وَتَقَوَّسَ ظَهْرُهَا، وَكَأَنَّهَا تَحْمِلُ جَبَلًا عَلَى أَكْتَافِهَا المُتَهَدِّلَةِ.

ضَرْبَةٌ أُخْرَى هَزَّتْ أَرْجَاءَ الجَبَلِ، وَهَزَّتْ قَلْبَهَا الضَّعِيفَ، وَبَيْتَهَا الشَّاحِبَ، وَبُيُوتَ القَرْيَةِ المُتَهَالِكَةَ المُتَفَرِّقَةَ كَأَنَّهَا قُبُورٌ.

مَاذَا عَسَاهَا أَنْ تَفْعَلَ وَسْطَ هَذَا القَصْفِ، وَسْطَ هَذَا الجُنُونِ اللَّامُتَنَاهِي؟

أَبَتْ أَنْ تَعْتَادَ المَشْهَدَ، وَأَنْ تَأْلَفَ الصَّوْتَ.

عَادَتْ إِلَى النَّافِذَةِ، رَفِيقَتِهَا، فَتَحَتْهَا عَلَى مِصْرَاعَيْهَا، وَصَرَخَتْ — وَلَمْ يَخُنْهَا صَوْتُهَا هَذِهِ المَرَّةَ — بَلْ كَانَ قَوِيًّا كَصَوْتِ الضَّرْبِ وَأَكْثَر.

وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى بَطْنِهَا المُنْتَفِخَةِ، وَقَالَتْ:

"لَا أُرِيدُ لِشَيْءٍ أَنْ يَنْتَهِي."

(شفاعمرو)




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت