تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
قصة قصيرة
عندما ترك صالح صديقته وتوجّه نحو المظاهرة
(مهداة إلى روح القائد الطلابي والجماهيري عصام مخول)
بقلم:زياد شليوط - شفاعمرو
التحق صالح الهادي بجامعة حيفا لمتابعة دراسته العليا، في زمن بدأ فيه اليمين الفاشي يرفع رأسه، بذريعة التصدي للطلاب العرب الذين تظاهروا في الحرم الجامعي بشكل أسبوعي، نصرة لقضية شعبهم وممثله الشرعي الوحيد كما اعتادوا على الهتاف باسمه المختصر: م. ت. ف.(1) مما كان يغيظ الطلاب اليهود وخاصة اليمينيين منهم.
صوت والده يتردد في أذنيه: إياك والاشتراك في مظاهرات الشيوعيين والقوميين. انهم لا يذهبون للجامعة للدراسة، انما كل همهم الإيقاع بالطلاب العرب في براثن السياسة أي الحزبية، أما نحن لا علاقة لنا بالأحزاب والحزبيين. عليك علمك فقط، عليك الاشتراك في جميع المحاضرات وعدم الالتفات الى ما يجري في ساحة "الـ 600"(2) أو "الديشة"(3)، فهذه أماكن للحزبيين والمفلسين والصايعين!
وعد والده أن يعمل بوصاياه رغم أن والدته كانت تنظر اليه بعينين كلهما حب واعتزاز، وتحاول بين الفينة والأخرى توجيه ملاحظة لزوجها بألا يثقل على ولدهما صالح بتعليماته القاسية: شوي ع الولد يا أبو صالح!
فتدير أم صالح وجهها لتخفي دموعها وهي تردد: معك حق يا ابو صالح، كلامك ع العين والراس.
لم يكن حرص أبو صالح على ابنه لمصلحته، انما يريد من خلاله اغلاق حساب قديم بينه وبين سكرتير الحزب في بلدته، الذي حال دون ارسال ابنه للدول الاشتراكية للدراسة في إحدى جامعاتها هناك.
لم ينس صالح أول يوم له في الجامعة عندما وصل الى ساحة الـ 600 وهناك كانت تقف مجموعة من الطلاب العرب، وهو لا يدري أين يتوجه أو ماذا يفعل؟ فشاهده أحد أبناء بلدته فاقترب منه مرحبا: أهلا صالح أهلا بك في جامعتنا!
استغرب صالح ما سمعه "جامعتنا"، وصافح ابن بلده ببرود وهو يشدّه نحو شخص آخر. ابتسم له ورحب به بين أبناء شعبه في الجامعة، وأردف بأنهم على استعداد لمساعدته في أي أمر يريده. وسار به بلدياته ليعرفه برئيس لجنة الطلاب العرب عادل. وهنا تذكر كلام والده فسارع الى الإفلات من حصار المجموعة الطلابية الحزبية كما تبين له، معتذرا وشاكرا إياهم على حسن استقبالهم له.
تعثر في سيره فاصطدم بفتاة - أو هيء له ذلك - وهو يجري مهرولا، حاول أن يعتذر لها، لكنها سارعت إلى جذبه وقادته إلى "كافيتريا" الجامعة في الطابق الأرضي، بعيدا عن ضوضاء الطلاب العرب المتجمهرين في ساحة الـ600. طلبت كأسين قهوة مع حليب، دون أن تسأله، تناولتهما على عجل وأسرعت نحو طاولة فارغة وهو يتبعها والمفاجأة تعقد لسانه.
لم يعقب على ملاحظتها. انتبهت أن بداية حديثها لم تكن موفقة معه، فأردفت:
هنا انحلّت عقدة لسان صالح وطفق يخبرها بما ينوي دراسته في الجامعة. واستطاعت أن تفهم منه سبب ابتعاده عن الطلاب العرب ووجدت فيه مادة خام يمكن أن ترضي أسيادها.
رغم الشكوك التي ساورته في سرعة عرضها، إلا أنه تذكر تحذيرات والده، واعتبر أن ظهور هذه الفتاة في طريقه، هدية من السماء تنقذه من أزمات كثيرة.
أخذ صالح يتجنب المرور من ساحة الـ 600 أو بالأحرى يمرّ من أحد أطرافها متحاشيا الاقتراب من حلقات الطلاب العرب النشيطين سياسيا، خاصة أعضاء لجنة الطلاب العرب وغيرهم، كان يضع نظره في الأرض ويحثّ خطواته سريعا ويواصل طريقه مهرولا نحو المكتبة أو برج مكاتب أقسام الجامعة، دون أن ينظر خلفه لئلا تلتقي عيناه بعيني أحدهم.
لاحظ ناشطو اللجنة أن صالح يتفادى اللقاء بهم أو الحديث معهم بل القاء التحية عليهم. اتفقوا أن يقوم مجاهد ابن بلده بالتقرب منه ومعرفة سبب سلوكه الغريب.
ذات يوم التقيا في حافلة الركاب المتجهة الى حيفا، فوجدها مجاهد فرصة نادرة وثمينة للاقتراب من صالح وفتح حديثا معه، وهكذا تم خاصة وأن الحافلة لم تكن مكتظة بالركاب، فالساعة كانت في الصباح المتأخر، ووضع مجاهد خطة محكمة حيث أبقى على الحديث الودي العام والذي شكل مقدمة لطرح الموضوع في الحافلة الثانية التي ستقلّهما من البلدة التحتا في حيفا حتى الجامعة على جبل الكرمل. هناك انتقل مجاهد بالحديث مع صالح:
توجس صالح من لهجة مجاهد لكنه تظاهر بالهدوء قائلا:
حاول صالح التهرب من الإجابة بصراحة واختبأ وراء كلمات الاعتذار وعدم الفراغ نتيجة ضغط الدراسة والمحاضرات. فألح عليه مجاهد بأن كل تلك الأعذار يمكن التغلب عليها ولن يضيره الوقوف لبضعة دقائق مع زملائه الطلاب. لكن صالح لم يعد يقوى على المواربة فأعلنها صريحة في وجه مجاهد:
كاد أن يطلق مجاهد ضحكة عالية لكنه تنبه الى أنه ما زال في الحافلة، فكتم ضحكته وقال لصالح:
- عندما تقترب منا وتعرفنا على حقيقتنا ستكتشف أن ما تقوله ليس صحيحا وهو مجرد اشاعات تلاحقنا، وإذا فلت أحدنا ولم يكمل تعليمه فهذا ليس حتما لانشغاله بالسياسة.
استمر الحديث بينهما الى أن وصلت الحافلة للجامعة وترجلا منها على وعد بأن يقوم صالح بطرح السلام على المجموعة نزولا عند رغبة مجاهد.
شاهد أعضاء المجموعة مجاهد ومعه صالح مقبلين نحوهم، فسارع عادل للترحيب بصالح الذي أتى بمجاهد نحوهم، وقد غمز بعينه نحو مجاهد الذي التقط الإشارة وفهمها. استأنس صالح بترحيب عادل وتبادل معه بعض العبارات، بعدها استأذن، وقبل أن يغادر دعاه عادل لتكرار حضوره ولكن سيكون على فنجان قهوة في المرة القادمة.
أعجب صالح بكلام عادل في الجلسة التالية، وبآرائه وطريقة طرحه للمواضيع ومناقشتها بكل رحابة صدر وسعة أفق.
وبعد أسبوع فوجيء صالح بعادل يدعوه لمشاركتهم المظاهرة أمام مدخل المبنى الرئيسي قريبا من الديشة، تضامنا مع أخوتهم الطلاب العرب في معهد التخنيون الذين تعرضوا لاعتداء فاشي من تنظيم عنصري يدعى "يش"، قام أفراده بالاعتداء على مجموعة من الطلاب العرب النشيطين ومحاولة اغتيال أحدهم، وناوله منشورا، قرأ فيه صالح: " ان الهجمة الدموية علينا في الجامعات هي بادرة من بوادر الهجمة الفاشية التي تبيتها القوى العنصرية والتنظيمات الفاشية في إسرائيل ضد كل جماهير شعبنا في قرانا ومدننا، وضد القوى الديمقراطية اليهودية، ولا يفل من عضدنا أن نكون في خندق المواجهة المباشرة في الجامعات مع الفاشية والفاشيين. لقد كنا دائما وسنبقى أبدا على أكمل استعداد أن نحمل شرف شعبنا وتجربة صموده الرائع وأن ندافع عن كرامته وحقوقه برؤوس مرفوعة وإباء أمام أشرس هجمة فاشية عنصرية"(4).
وقف يتفرج من خلف الواجهة الزجاجية في الطابق الثاني على المظاهرة، فاجأته شريفة بقدومها نحوه، تركها دون أن يعتذر منها، ونزل لمشاركة أصدقائه المظاهرة.
(للقصة تتمة..)
إشارات: