أدب وشعر
19/05/2026 - 10:52:47 am
عاشق اللغة العربية من كفر كنا بقلم:ناجي ظاهر
عاشق اللغة العربية من كفر كنا
بقلم:ناجي ظاهر
انطوت يوم السبت السابع عشر، من ايار العام الفائت، واحدة من انصع الصفحات الأدبية الشعرية في بلادنا، مخلفة وراءها ارثا ادبيا شعريا تشبث حتى مقولاته الأخيرة بالتراث العربي العريق. مركزا على اهمية معرفة الذات، اولا وقبل كل شيء، ومتخذا من التراث العربي الخالد انموذجا له، فيما يقوله ويمارسه خلال عمله في مجال التربية وتعليم اللغة العربية خلال ما قارب لأربعة عقود من الزمن، واثناء كتابته الشعر ايضا.
المرة الاولى التي التقيت فيها الشاعر الصديق الراحل جريس دبيات (١٩٥٠/ ١٧-٥-٢٠٢٥)، ابن كفر كنا المحب، الوفي المخلص، كانت برفقة الشاعر الكاتب الصحفي المرحوم ميشيل حداد، ابن مدينتي الناصرة ، وقد تم ذلك اللقاء في اواخر الستينيات واوائل السبعينيات، وتم على ما اذكر في استوديوهات دار الإذاعة، اما المناسبة فقد كانت لغرض تسجيل بعض من القصص والقصائد الشعرية في البرنامج الادبي الذي كان يعده ويحرره الكاتب الاعلامي المثقف المرحوم عرفان ابو حمد، ابن مدينتي الناصرة.. الذي امضى سحابة شبابه وعمره حتى ايامه الاخيرة مقيما مع ابناء اسرته الصغيرة في مدينة حيفا.
منذ اللحظة الاولى شعرت انني عثرت في شاعرنا الراحل، على الصديق المنشود، الدارس الاكاديمي للغة العربية والاسلام، في جامعة حيفا، العامل في مجال تعليم اللغة العربية في بلدته كفر كنا ذات التاريخ الديني والحضاري التليد، لهذا ما ان انتهينا من تسجيل ما سبق واعددناه من مواد ادبية، حتى جلسنا في غرفة اعدت هناك لاستقبال الضيوف، وشرعنا في التحدث، لأتبين، عبر حديث محب متدفق مثل قصيدة، انه عاشق للغة العربية والشعر العربي، لا سيما لدى شاعرنا الخالد ابي الطيب المتنبي، وما زلت اذكر وهل انسى، انشاده ما استظهره عن ظهر قلب لشاعره الاثير ذاك.
هكذا جرى الامر في لقائنا الاول ولم نفترق حينها الا بعد تحديد موعد متجدد للقاء اخر..، لتتواصل فيما بعد اللقاءات، لقاء يتلوه لقاء، وحديثا يوطد العلاقة الأدبية فيما بيننا بعد حديث، وقد ترافقت تلك اللقاءات بزيارات متبادلة هو يزورني في الناصرة، وانا ازوره في المقابل.. في بلدته كفر كنا، او قانا الجليل، بلدة المعجزات. في تلك اللقاءات التي تمت في بيت ذويه، وقد كان يقوم في حينها في مركز البلدة، تعرفت على ابناء اسرته. اخواته ليلى، عايدة وادما، و اخيه الاكبر عيسى، مدير المدرسة ومعلم اللغة العربية ايضا، ووالدته التي سترحل فيما بعد بسنوات مديدة، مخلفة وراءها جرحا اسيا، طالما حدثني عنه، وقد رافقه حتى يومه الاخير في عالمنا، كما كنت استشف كلما التقيت به في هذا المكان او ذاك من مكان سكناي او مكان سكناه.
كما قلت عمل الشاعر الراحل للتو، الصديق جريس دبيات في مجال تعليم اللغة العربية، ولم يكن معلما عاديا كما اشار عدد من تلاميذه وأصدقائه، منهم بلدياته غسان ابو داوود، في تعقيبات سريعة على رحيله، وانما كان معلما يعدي تلاميذه في حبه للغة العربية وشاعره الاثير المحبب ابي الطيب المتنبي، وقد أشار تلميذه الدكتور سمير خطيب، انه حتى بعد تقاعده عن التعليم عام ٢٠٠٦ ، واصل تزويده، واعتقد تزويد اخرين من طلابه، بتوجيهاته وتصويباته اللغوية، فيما كانوا يقعون فيه من هنات وعثرات، ولم يتوقف نشاطه اللغوي التنويري هذا على طلابه خلال تدريسه لهم، وبعد تقاعده من التعليم، وانما تجاوزه ليقوم فيما بعد، بالتعاون مع الاعلامي الصديق فهمي فرح، بإنشاء زاوية إذاعية، تبث من برنامج الاخير، ويقوم الاستاذ جريس دبيات بدوره خلالها بتقديم ارشادات وتصويبات لغوية ملحة وتحتاج الى من يتولى امر كشفها وتقديمها للجمهور العام، لغرض تحسين الاداء اللغوي لمن يحتاج ويرغب.
كان هذا على مستوى العطاء في مجال التربية والتعليم، اما في مجال عشق شاعرنا الاول، وهو الشعر العربي، بشقيه العمودي والتفعيلي، فقد دأب/ شاعرنا على كتابته بصمت واناة ودون جلبة او ضجيج، مركزا على العديد من المواضيع في مقدمتها الارض، الوطن والمرأة، اضافة الى شعر الرثاء، وقد اصدر خلال سنوات عطائه في مجال الشعر عددا من المجموعات الشعري هي: مع إطلالة الفجر، ١٩٩٤، تظلين احلى، ١٩٩٦، ورماديات، ٢٠٠١ ، وقد كان لي شرف الموافقة على طباعتها واصدارها، ابان فترة رئاستي للجنة البحث في طباعة الكتب المقدمة الى دائرة الثقافة العربية. ويذكر ان شاعرنا الراحل، كان يعد لإصدار مجموعة اخرى اضافية، حملها عنوانا حافلا بالمحبة هو كرمى لعينيها، غير انه لم يتمكن من اصدارها.. فهل يتمكن ورثته؟..
لقد تواصلت علاقتنا الادبية هذه، حتى ايامه الاخيرة، وحتى عندما الزمه المرض بيته، بقي وفيا لهذه العلاقة، فكان يعلق على ما اكتبه وانشره في السوشيال ميديا، تعليق العارف المحب المدرك، وكان رحمه الله معاضدا ومساندا حكيما، واعيا ومدركا، لكل كلمة يعقب بها على كتابة لي، الامر الذي وطد علاقتنا الادبية، وعزز الاحترام الشخصي الادبي المنطلق من فهم الذات اولا وقبل كل شيء، ذلك الاحترام الذي قام على الاحترام المتبادل ووقفت في صميمه المصلحة الأدبية العامة.