تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
إدريس الملياني
نشيد المونديال
في ملاعب كرة القدم،
يفتحون أكفهم،
ويرفعون أصابعهم،
وعيونهم إلى السماء
قبل أن تلامس أقدامهم
ملعب العشب الأخضر.
وحين يسجلون هدفا،
يتسابق الهلال والصليب
إلى الشاشة ذاتها،
ويركضان معا
خلف الكرة نفسها.
كل يشكر ربه، وشعبه،
كأن ربه يشجع الفريق الفائز
في تلك الدقيقة فقط.
فإذا أضاع المهاجم فرصة
كان القضاء والقدر،
وإذا سجل كانت المهارة
وساعات التدريب.
على دين سواء،
يقفون أمام الكاميرات،
يرفعون الشكر والدعاء،
كأن السماء تتابع المباراة معهم
وتنتظر صافرة النهاية.
والآلهة الأولمبية،
التي يصعد إليها الحمد،
شبيهة بالمدربين والحكام،
والآباء والأمهات،
والرعاة الرسميين،
وشركات الأحذية،
والقمصان،
ومحللي المباريات
في الاستوديوهات المكيفة.
فالجميع هناك
يمنح النصر تفسيرا،
والهزيمة عذرا.
وفي المدرجات أيضا
كانت القبائل القديمة
ترتدي قمصانا حديثة،
وتخوض حروبها الأسبوعية
بالأناشيد والصفير،
ثم تعود إلى بيوتها
بعد التسعين دقيقة،
كأن التاريخ كله
لم يكن يحتاج إلا
إلى حكم رابع.
وفي الأعلى أيضا،
كانت الكؤوس الكثيرة،
تبدل أسماءها
في كل موسم،
كأس للعالم،
وكأس للقارات،
وكأس أخرى
للرعاة الرسميين
الذين لا يركضون،
ولا يتعرقون،
ولا يصابون.
فالمباريات التي تبدو
حروبا صغيرة للشعوب،
ليست في النهاية
إلا تجارة كبرى
للإعلانات والأسواق،
حيث يباع الشغف
المغلف بالرايات،
وتشترى العواطف
بثمن الاشتراكات.
ويتحول الإنسان المشيأ الأرواح
"بفائض القيمة" Plus value
إلى مجرد رقم "زائد ناقص"
من جداول الأرباح.
وفي مصلى العشب الأخضر،
حيث تتلى المناسك دون صحف،
وترفع الأدعية كأنها تمارين إحماء أخير،
قبل الالتحام والاصطدام والاقتحام،
يبدو أن الأقدار، في سخرية لا تفسر،
لا تحسن التفريق بين من يرفع
كفيه للسماء طلبا للنصر،
ومن يرفعهما عادة فقط أمام الكاميرا.
ثمة فرق تمشي إلى الملعب
كأنها تدخل محراب يقين،
تتسلح بالإيمان قبل الصافرة،
وأخرى ترسم إشارة الصليب،
وتؤمن أن النية وحدها
تكفي لتعديل النتيجة…
ثم تدهشها اللوحة: أهداف
تتساقط كالمطر الثقيل.
وأبواب تفتح على مصاريع الهزيمة،
دون استئذان،
برباعيات وخماسيات،
وتعادلات في أحسن الحالات،
لا تشبه إلا المبالغة
حين تمدح نفسها.
والمفارقة أن التعليقات
تلك التي تمشي
على حواف اللطف و الظرف،
تقول بهدوء ساخر:
كأنهم سلموا الأمر للغيب،
في منتصف المباراة،
وكأن الركعات على العشب،
كانت أكثر كثافة وخرافة
من الكرات في الشباك.
لكن الغريب حقا،
أن الذين يفترض أنهم الأكثر
"تسليما" للغيب،
هم أنفسهم الأكثر
اصطداما بقسوته،
كأن السماء
في لعبة لا نعرف قوانينها
تربك من يظن
أنه الأقرب إلى فهمها،
وتترك النتيجة مفتوحة
على سؤال لا يجيب:
هل كانت الدعوات تسمع…
أم أن الكرة وحدها
هي التي تفهم اللغة؟
وكلما أغلق باب النتيجة،
يظل السؤال مفتوحا
على العشب:
هل كانت المباراة اختبارا للمهارة…
أم امتحانا لليقين؟
كأن الملعب لا يحسم شيئا،
بل يعيد توزيع الشكوك
بأقدام متعبة،
ويتركنا نخرج منه،
لا نعرف هل خسرنا المباراة…
أم خسرنا تفسيرها فقط .
وفي زمن المعجزة المصنوعة،
حيث تقاس المسافات،
بالسنتيمتر،
وسباقات السرعة،
بالجزء من الثانية،
وتحلل المباراة،
بالبيانات والاحتمالات،
يبقى بعضهم باحثا عبثا عن النصر،
في همسة فوق العشب،
أو علامة في السماء.
كأن الكرة أيضا
لم تصل بعد إلى عصر الرقمنة،
وكأن الملعب آخر معابد
الإنسان القديمة.
وبينما يركض اللاعبون
خلف كرة صنعتها الأيدي،
يركض آخرون خلف حكايات
لم يصنعها العقل،
عن حروف تكتب في الهواء،
ثم تقرأ
كأنها كتاب نزل من السماء:
يروى عن الإمام "الش.." :
أنه كان يكتب بريقه،
على الهواء،
ويخط ببصاقه
في الفضاء،
ثم يقرأ ما كتبه وخطه
على صفحات الفراغ
كأن المعنى لا يحتاج دائما
ورقا ولا حبرا،
بل يكفي أحيانا
أن يؤمن صاحبه
أن الوهم كان دليلا
والغياب أثرا،
ليس لاعبا ولا بديلا
وما لمس كرة وما رمى
ويظل السؤال
متى ننتقل من تصديقِ :
"المخاريق بأيدي لاعبينا"
وإعجازها،
إلى إنتاج المعجزات،
وإنجازها؟
يا أمة ضحكت من عجزها،
على نفسها،
وأضحكت العالم كله بجهلها
"فوق جهل الجاهلينا".
و هنا...لك
لا هزائم خالصة ،
ولا انتصارات حقيقية،
إلا في دفاتر المساهمين.
أما الجماهير
فتدفع غالي الثمن
وتعود إلى بيوتها،
وفي قلب كل فريق مهزوم
ما يكفي من الحزن
لتستمر التجارة.
أما الكرة،
فتواصل انتفاخها ودورانها
غير عابئة
بكل هذا اللاهوت المؤقت،
وتعرف أكثر منهم جميعا
أن الهدف
لم يدخل الجنة،
بل دخل الشباك فقط.
