X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أدب وشعر
اضف تعقيب
04/11/2026 - 12:48:43 pm
إِحْسَانُ الَّذِي غَيَّرَ الْقُلُوبَ قصّة الأطفال التي صدرت حديثًا

إِحْسَانُ الَّذِي غَيَّرَ الْقُلُوبَ
قصّة الأطفال التي صدرت حديثًا
بِقَلَمِ: زهير دعيم

 

فِي مَسَاءٍ خَرِيفِيٍّ هَادِئٍ ، عَادَ أَبُو مُرَادٍ مِنْ صَيْدِ السَّمَكِ فِي الْبَحْرِ الْكَبِيرِ، فَرَبَطَ قَارِبَهُ الصَّغِيرَ الْعَتِيقَ ، الْمَدْهُونَ بِاللَّوْنَيْنِ الْأَحْمَرِ وَالْأَزْرَقِ .
رَبَطَهُ سَرِيعًا بِعَمُودٍ حَدِيدِيٍّ عَلَى الشَّاطِئِ ، وَحَمَلَ غَلَّتَهُ السَّمَكِيَّةَ الْقَلِيلَةَ ، وَعَادَ أَدْرَاجَهُ إِلَى الْبَيْتِ.
وَالْبَيْتُ لَا يَبْعُدُ كَثِيرًا عَنِ الشَّاطِئِ، إِنَّهُ يَقَعُ فِي طَرَفِ الْحَارَةِ الْقَرِيبَةِ الْمَلِيئَةِ بِالصَّيَّادِينَ . وَفِي الطَّرِيقِ صَادَفَ أَبُو مُرَادٍ الطِّفْلَ الْيَتِيمَ " إِحْسَانَ "  ، الَّذِي صَادَفَهُ قَبْلَ أُسْبُوعٍ تَمَامًا ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْفَتَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ فِي صَيْدِ السَّمَكِ ، فَرَفَضَ الصَّيَّادُ وَقْتَهَا مُعْتَذِرًا بِأَنَّ الْقَارِبَ صَغِيرٌ وَالصَّيْدَ شَحِيحٌ.
تَشَاءَمَ أَبُو مُرَادٍ عِنْدَمَا رَأَى إِحْسَانَ، فَمُنْذُ أَنْ رَآهُ قَبْلَ أُسْبُوعٍ وَالْغَلَّةُ فِي نُقْصَانٍ ، وَلَا تَكْفِي لِاسْتِهْلَاكِ أَهْلِ بَيْتِهِ ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ وَفِيرَةً يَبِيعُهَا فِي السُّوقِ.
تَأَفَّفَ أَبُو مُرَادٍ وَتَذَمَّرَ قَائِلًا : " يَا سَاتِرُ اسْتُرْ" . وَكَيْفَ لَا يَتَأَفَّفُ ، وَالْفَتَى الْيَتِيمُ بِثِيَابِهِ الرَّثَّةِ وَعَيْنَيْهِ الذَّابِلَتَيْنِ يَجْعَلَانِهِ مُتَشَائِمًا ، بِعَكْسِ الْكَثِيرِ مِنَ الصَّيَّادِينَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ ، وَيُعَامِلُونَهُ بِالْحُسْنَى ، وَيَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ.
وَلَكِنَّ إِحْسَانَ يَكْرَهُ الشَّفَقَةَ ، وَيَمْقُتُ الرَّحْمَةَ ، وَيَرْفُضُ أَنْ يَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، لِذَلِكَ عَرَضَ خِدْمَاتِهِ عَلَى أَبِي مُرَادٍ ، هَذَا الصَّيَّادِ الْوَحِيدِ الَّذِي يَمْتَلِكُ قَارِبًا فِي تِلْكَ الْحَارَةِ.
وَصَلَ الصَّيَّادُ الْبَيْتَ ، وَكَانَتِ الظُّلْمَةُ قَدْ بَدَأَتْ تَزْحَفُ عَلَى الْحَارَةِ، فَاسْتَقْبَلَتْهُ زَوْجَتُهُ وَأَبْنَاؤُهُ الصِّغَارُ بِالتَّرْحَابِ، فَهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ لِتَنَاوُلِ طَعَامِ الْعَشَاءِ.
وَبَعْدَ الْعَشَاءِ، وَأَثْنَاءَ احْتِسَاءِ الشَّايِ السَّاخِنِ اللَّذِيذِ، تَذَمَّرَ أَبُو مُرَادٍ أَمَامَ زَوْجَتِهِ مِنْ شُحِّ السَّمَكِ وَقِلَّةِ الْغَلَّةِ، قَائِلًا: " لَقَدْ كَانَتِ الْحَالَةُ بِأَلْفِ خَيْرٍ، كَانَتِ الدُّنْيَا وَالْبَحْرُ يَضْحَكَانِ لَنَا، إِلَى أَنْ جَاءَ هَذَا النَّحْسُ إِحْسَانُ وَعَرَضَ خِدْمَاتِهِ، وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَالْبَحْرُ يُعَادِينَا، وَالسَّمَكُ يُجَافِينَا، وَالْأَدْهَى وَالْأَمَرُّ أَنَّ الْقَدَرَ دَفَعَهُ الْيَوْمَ أَيْضًا فِي طَرِيقِي، فَلَا تَسْتَغْرِبِي إِنْ جَاءَ الْآتِي أَشَدَّ قَسْوَةً".
نَامَ الصَّيَّادُ، وَلَمْ يَنَمْ قَلَقُهُ، لِيَصْحُوَ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ عَلَى هَدِيرِ الْعَاصِفَةِ، وَعَلَى وَقْعِ حَبَّاتِ الْمَطَرِ تَضْرِبُ زُجَاجَ النَّوَافِذِ بِشِدَّةٍ ، فَانْتَفَضَ أَبُو مُرَادٍ، وَقَامَ سَرِيعًا إِلَى مِعْطَفِهِ وَشَالِهِ وَحِذَائِهِ يَلْبَسُهَا، وَتُسَاعِدُهُ زَوْجَتُهُ، فَقَدْ تَرَكَ الْقَارِبَ عَلَى الشَّاطِئِ غَيْرَ مُحْكَمِ الرَّبْطِ، وَدُونَ غِطَاءٍ وَاقٍ مِنَ الْمَطَرِ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ تَأْخُذَهُ الْعَاصِفَةُ إِلَى الْعُمْقِ، وَيَمْلَأَهُ الْمَطَرُ بِمَائِهِ، فَيَغْرَقَ، وَتَغْرَقَ مَعَهُ أَحْلَامُ الْعَائِلَةِ بِأَكْمَلِهَا.
" أُفٍّ... لَقَدْ صَدَقَ حَدْسِي" ، قَالَ أَبُو مُرَادٍ لِزَوْجَتِهِ : فَإِنَّ هَذَا النَّحْسَ إِحْسَانَ سَوَّدَ حَيَاتَنَا وَعَكَّرَ مِزَاجَنَا... أَلَمْ أَقُلْ لَكِ إِنَّنِي الْيَوْمَ صَادَفْتُهُ وَتَوَقَّعْتُ شَرًّا ؟ لَقَدْ كَانَ الطَّقْسُ صَافِيًا هَادِئًا ، لَا أَثَرَ لِلْغَيْمِ وَالْمَطَرِ... يَا إِلَهِي ، أَرْجُوكَ أَنْ تُخَفِّفَ الْوَطْءَ عَنَّا!
حَمَلَ أَبُو مُرَادٍ مِصْبَاحَهُ الْيَدَوِيَّ ، وَانْطَلَقَ نَحْوَ الشَّاطِئِ وَسْطَ الْعَاصِفَةِ وَالْمَطَرِ الشَّدِيدِ ، لَعَلَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْقِذَ قَارِبَهُ الصَّغِيرَ مِنَ الْغَرَقِ.
سَارَ حَتَّى وَصَلَ الشَّاطِئَ بَعْدَ عَنَاءٍ كَبِيرٍ مِنَ الْمَطَرِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ  ، وَوَقَفَ عَلَى الشَّاطِئِ وَالدَّهْشَةُ تَمْلَؤُهُ . إِنَّ الْقَارِبَ مَشْدُودٌ جَيِّدًا إِلَى الشَّاطِئِ ، وَمُغَطًّى بِإِحْكَامٍ وَإِتْقَانٍ بِالْغِطَاءِ الْوَاقِي ، هَذَا الْغِطَاءِ الَّذِي كَانَ يَقْبَعُ فِي زَاوِيَةِ الْقَارِبِ .
فَرَكَ أَبُو مُرَادٍ عَيْنَيْهِ ، وَحَكَّ رَأْسَهُ لِيَتَأَكَّدَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْلُمُ... مَنْ صَنَعَ مَعَهُ هَذَا الْخَيْرَ وَهَذَا الصَّنِيعَ ؟
وَرَفَعَ أَبُو مُرَادٍ حَاجِبَيْهِ اسْتِغْرَابًا وَدَهْشَةً، وَدَارَ هَذَا التَّسَاؤُلُ فِي رَأْسِهِ وَهُوَ عَائِدٌ إِلَى الْبَيْتِ ، إِلَى أَنْ وَقَعَ نُورُ مِصْبَاحِهِ الْيَدَوِيِّ عَلَى شَخْصٍ يَقْبَعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. فَاقْتَرَبَ مِنْهُ بِبُطْءٍ، وَأَنَارَ حَوْلَهُ ، فَإِذَا هُوَ أَمَامَ الْفَتَى " إِحْسَانَ"  الَّذِي يَرْتَجِفُ مِنَ الْبَرْدِ، وَالْمَطَرُ يَقْطُرُ مِنْ شَعْرِهِ وَثِيَابِهِ وَكُلِّ جُزْءٍ فِيهِ!
فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَالدُّمُوعُ تَسِيلُ مِنْ عَيْنَيْهِ، قَائِلًا:
" إِنْ كُنْتَ مَا زِلْتَ رَاغِبًا، يَا صَغِيرِي، فِي الْعَمَلِ مَعِي ، فَمَكَانُكَ فِي قَارِبِي مِنَ الْيَوْمِ، لَا أَجِيرًا، بَلْ ابنًا لنا  ".

  وَابْتَسَمَ إِحْسَانُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ، وَشَعَرَ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ وَحْدَهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا.




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت