أراء حرة
10/09/2025 - 03:12:56 pm
إسرائيل بين الدعم الأمريكي والاستنزاف إلى أين؟ بقلم:سهاد كبها
إسرائيل بين الدعم الأمريكي والاستنزاف إلى أين؟
بقلم:سهاد كبها- كاتبة فلسطينية
اسرائيل منذ قيامها وتحالفها مع الولايات المتحدة اعتبرت علاقتهما نموذجا للتحالف الاستراتيجي ولكن هذا التحالف يحمل في داخله علاقات أكثر تعقيدا فإلى أي مدى يمكن أن يكون الدعم الأمريكي مصدر قوة دائمة ومتى يتحول إلى أداة استنزاف يقود إلى التخلي؟
لطالما قدمت إسرائيل كذخر استراتيجي يحمي مصالح واشنطن في الشرق الأوسط، لكن مع كل حرب طويله أو أزمة مفتوحة يتجدد السؤال هل تظل إسرائيل حليفا استراتيجيا أم تتحول إلى عبء ثقيل؟
التاريخ يقدم إشارات مهمة كما في فيتنام حين تحولت حرب استنزاف طويلة إلى نقطة انهيار أو كما جرى مع شاه إيران الذي بدا نظامه صلبا حتى لحظة السقوط المفاجئ نجد أن الدعم الأمريكي دائما محكوم بالمنفعة لا بالوفاء.
في هذا السياق استهداف إسرائيل لمكتب حماس في الدوحة أثناء وجود وفدها القيادي للتباحث لم يكن مجرد عملية عسكرية بل مثال على النهج الذي تختاره إسرائيل لإدارة صراعاتها وهو كسر الطاولة بدل الجلوس إليها.
هذه الخطوة تعكس ميلا لتوسيع نطاق المواجهة خارج غزة وتؤكد أن الرهان على القوة وحده أصبح هو الخيار المهيمن لدى إسرائيل بما يقلص فرص الحل السياسي.
الدعم الأمريكي يبقى حاضرا لكنه محكوم دائما بميزان المصالح.
استمرار إسرائيل في الاعتماد على القوة وحدها دون مشروع سياسي حقيقي يعجل اللحظة التي قد تضطر فيها واشنطن لطرح السؤال الصعب هل ما زالت إسرائيل ذخرا استراتيجيا أم أنها أصبحت عبء يثقل كاهلها . فالقوة بلا أفق سياسي لا تنتج استقرارا بل تستهلك ذاتها وما حدث اليوم من محاولة اغتيال قيادة حماس في الدوحة يظهر أن المسار الحالي قد يسرع هذه المعادلة نحو الاستنزاف الطويل.
أرى أن ما يحدث اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري بل درس واضح عن حدود القوة وأهمية الرؤية السياسية في إدارة الصراعات وعن أن كل دعم مهما كان كبيرا لا يبقى إلا طالما ظل مربوطا بالمنفعة
وفي النهاية السؤال الذي يظل مطروحا هو متى ستتغير هذه المعادلة وهل ستنجح إسرائيل في إيجاد أفق سياسي يحميها من أن تتحول من ذخر استراتيجي إلى عبء تاريخي؟
فمنذ اندلاع الحرب على غزة والسؤال المطروح كيف ستخرج إسرائيل من هذه الحرب التي تبدو بلا نهاية؟ وهل ستبقى الولايات المتحدة إلى جانبها كما اعتدنا، أم أن لحظة التخلي يمكن انها أقرب مما نتصور؟
إسرائيل دخلت الحرب بأهداف كبرى , القضاء على حماس واستعادة الردع, لكن الحقيقة على الأرض تقول شيئا اخر, فبعد أشهر طويلة ما زالت المقاومة صامدة بينما الداخل الإسرائيلي يضعف بفعل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية كما وتزداد العزلة السياسية لإسرائيل يوما بعد يوم.
خيارات إسرائيل اليوم محدودة إما انسحاب تدريجي يسوق على أنه نجاح أو الدخول في صفقة تبادل ووقف إطلاق نار بشروط صعبه أو استمرار حرب استنزاف طويلة تضعفها من الداخل.
صحيح أن الولايات المتحدة لطالما اعتبرت إسرائيل أهم رصيد استراتيجي لها في المنطقة لكن هذا الوضع لم يعد كما كان .
كما ان صورة واشنطن عالميا انهارت لأنها بدت شريكة مباشرة في جرائم الحرب واولوياتها الكبرى مثل الصين وروسيا وإيران تراجعت أمام الانشغال المستمر بالحرب على غزه .
حتى داخل أمريكا نفسها الغضب الشعبي يتصاعد، فإسرائيل التي كانت تعتبر ذخرا استراتيجيا تتحول تدريجيا إلى عبء ثقيل على حليفتها.
أرى أن الدعم الأمريكي لإسرائيل قد لا يكون إنقاذا مطلقا، بل يمكن أن يفهم أحيانا كطريق للاستنزاف.
ولا اظن ان واشنطن تريد انهيار إسرائيل فجأة ، لكنها في الوقت ذاته تسمح لها بالغرق أكثر في حرب بلا أفق يضعفها تدريجيا ويزيد من تبعيتها
برأيي إسرائيل اليوم لم تعد تلك الورقة الرابحة التي تعطي أمريكا تفوقا في المنطقة بل أصبحت عبئا قد يضطر الحليف القوي الذي تعتمد عليه لتحقيق مصالحها يضطر يوما ما للتخلص منها والامثلة التي ذكرتها على حلفاء أمريكا الذين تخلت عنهم , حين لم يعودوا يخدمون مصالحها ,هذه الأمثلة توضح أن الدعم الأمريكي لحلفائها يعتمد بالأساس على المصلحة ولا يعتمد على الوفاء.
فاليوم الحاجة الأمريكية لإسرائيل لم تعد كما كانت في الماضي فمن الناحية العسكرية والسياسية، تمتلك واشنطن أدوات وحلفاء آخرين يمكنهم تحقيق مصالحها في المنطقة مثل دول الخليج (السعودية، الإمارات، قطر، البحرين) التي بدأت تتعاون مع أمريكا بشكل مباشر في مجالات الأمن والمخابرات والسياسة الإقليمية.
الوجود العسكري الأمريكي المباشر قواعد أمريكية منتشرة في الخليج، العراق، البحر الأحمر، تتيح لها التدخل أو الضغط دون الحاجة لإسرائيل كقاعدة.
باختصار، إسرائيل اليوم ليست القوة الحصرية الذي يمكن أن تعتمد عليه واشنطن لتحقيق مصالحها في الشرق الأوسط.
والخلاصة ان الحرب الحالية على غزه لا تعيد تشكيل غزة فقط بل تعيد تشكيل صورة إسرائيل ومكانتها بل وحتى شكل العلاقة مع الولايات المتحدة.
صحيح ان الدعم الأمريكي ما زال قائما ، لكنه قد يكون الحبل الذي يشد إسرائيل نحو الهاوية بدل أن يرفعها منها.
ويبقى السؤال هل تصبح القوة المفرطة بداية النهاية وهل يتحول الحليف الاقوى الى من يدفعها نحوها.