تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
مقال: إياب لا اغتراب
إعداد: الشيخ محمود وتد - عضو حركة الدعوة والإصلاح
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد…
تخيلوا إنسانًا كان يومًا قريبًا من الله… كان إذا سمع القرآن خشع قلبه، وإذا قام للصلاة وجد فيها راحته، وإذا خلا بنفسه ناجى ربه بدمعة صادقة.
ثم مرّت الأيام… فأصبح القرآن يمرّ عليه فلا يتحرك قلبه كما كان، وأصبحت الطاعة ثقيلة بعدما كانت لذيذة،
وأصبح يشعر أن بينه وبين الله مسافة لم تكن موجودة من قبل.
ليس لأنه لا يحب الله… وليس لأنه يريد المعصية… لكن شيئًا في القلب برد… نوره خفت… همته ضعفت.
وهنا يبدأ الصراع الحقيقي في داخل الإنسان… صوت في القلب يقول: ارجع… عد كما كنت… افتح صفحة جديدة مع الله.
وصوت آخر يهمس: لقد ابتعدت كثيرًا… وسبق السابقون… وربما فات الأوان.
لكن الحقيقة التي يجب أن ندركها من البداية:أن الله لا يغلق باب العودة أبدًا.
بل إن من أعظم لحظات حياة المؤمن ليست لحظة الطاعة فقط… بل لحظة الرجوع بعد الفتور، ولحظة النهوض بعد التعثر، ولحظة الإقبال بعد الغفلة.
فالفرق بين إنسانٍ اغترب عن الله… وإنسانٍ عاد إلى الله… ليس أنه لم يضعف يومًا، بل أنه عرف طريق الإياب حين ضعُف.
لذلك من أعظم ما يمر به المؤمن في طريقه إلى الله حالة الفتور، تلك اللحظات التي يشعر فيها الإنسان أن قلبه لم يعد كما كان، وأن شوقه للطاعة خفّ، وأن عزيمته ضعفت.
كان يقوم الليل… فأصبح يكتفي بالفرائض، وكان يأنس بالقرآن… فأصبح يمرّ عليه مرورًا عابرًا.
وكان قلبه يقظًا… فإذا به اليوم يشتكي من الغفلة.
لكن السؤال المهم ليس: هل فعلًا يحدث هذا الفتور؟ فإن كانت الإجابة نعم، فكيف نتعامل مع مثل هذا الفتور؟ وهل نجعل الفتور اغترابًا عن الله؟ أم نجعله بداية إيابٍ صادقٍ إليه؟ ولهذا كان عنوان حديثنا: إيابٌ لا اغتراب.
أيها الأحبة… من المهم أولًا أن نفهم طبيعة النفس البشرية، فالنفس لا تسير على خط مستقيم دائمًا، بل تمر بحالات:
إقبال… ثم فتور، نشاط… ثم ضعف ،قوة… ثم تعب ولهذا قال النبي ﷺ: "إن لكل عملٍ شِرّة، ولكل شِرّةٍ فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى"، أي أن الفتور أمر طبيعي في حياة الإنسان.
حتى الصحابة رضي الله عنهم شعروا بذلك. جاء حنظلة رضي الله عنه يومًا إلى أبي بكر رضي الله عنه وقال:
"نافق حنظلة!" تعجب أبو بكر وقال: وما ذاك؟ قال: نكون عند رسول الله ﷺ فيذكرنا بالجنة والنار حتى كأنّا نراهما رأي العين، فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا، فذهبوا إلى النبي ﷺ فقال: "لو تدومون على الحال التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة." أي أن هذا التفاوت في الحال طبيعة بشرية.
لكن الخطأ ليس في الفتور نفسه… الخطأ أن نستسلم له. فالقلوب مثل النار؛ إن لم تُغذَّ بالوقود خبت شيئًا فشيئًا. لماذا فترنا؟ الفتور لا يأتي غالبًا فجأة، بل وراءه أسباب خفية، ولهذا يحتاج الإنسان إلى لحظة صدق مع نفسه.
اسأل نفسك:
متى كانت آخر مرة بكيت فيها من خشية الله؟ متى كان آخر عهدك بختمة للقرآن؟
كم مرة تذكرت الآخرة اليوم؟ كم ساعة قضيتها في الهاتف مقابل دقائق مع القرآن؟
هذه ليست أسئلة للاتهام… بل أسئلة للتشخيص، فمن أراد العلاج الصحيح يجب أن يعرف المرض.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا"، محاسبة النفس ليست قسوة… بل هي رحمة بالنفس قبل فوات الأوان.
من أبرز أسباب الفتور في حياة الإنسان:
1. ذنوب الخلوات، وهي من أخطر أسباب ضعف الإيمان، الإنسان قد يكون في الظاهر مستقيمًا، لكنه في الخلوة يتساهل في المعاصي وهذه الذنوب لها أثر عجيب على القلب. قال بعض السلف: "إني لأعصي الله فأرى أثر ذلك في خُلُق دابتي."
كان الإمام سفيان الثوري من كبار العلماء العُبّاد الزهاد. وكان من عادته أن يقوم الليل طويلًا.
لكنّه قال يومًا كلمة مؤثرة: "حُرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنبٍ أذنبته". فسُئل: وما ذلك الذنب؟ قال: رأيت رجلًا يبكي فقلت في نفسي: هذا مُراءٍ. كلمة قالها في قلبه… لا في العلن، لكنها كانت كافية ليُحرم لذة قيام الليل أشهرًا. فالمعصية ليست مجرد فعل… بل هي غبار يغطي القلب. ومع كثرة الغبار… يبهت النور.
وهاهو الإمام الحسن البصري من أئمة التابعين يشخص الحالة داءً ودواءً.
جاءه رجل يشكو فقال: يا أبا سعيد… أريد قيام الليل ولا أستطيع، فقال له الحسن البصري كلمة عظيمة: "قيّدتك ذنوبك".
2. الانغماس في المباحات، ليس كل ما هو مباح نافعًا إذا تجاوز حدّه. فكثرة الانشغال بالمباحات قد تسلب القلب نشاطه. مثل: الإفراط في استخدام الهاتف، متابعة المقاطع بلا توقف، الانشغال الطويل بالترفيه، هذه الأمور في أصلها مباحة…
لكنها إذا كثرت تزاحم الطاعة في القلب، القلب مثل إناء محدود السعة، إذا امتلأ بالدنيا… ضاقت فيه مساحة الآخرة.
3. رفقة السوء، الإنسان يتأثر بمن حوله أكثر مما يظن، إذا كان محيطه: غافلًا، مستهترًا، منشغلًا بالدنيا، فإنه مع الوقت يتأثر بهم. قال النبي ﷺ: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"، فالصحبة الصالحة ليست ترفًا…بل ضرورة لحياة القلب.
الحذر من استمرارية الفتور، الفتور القصير قد يكون طبيعيًا… لكن المشكلة حين يطول الفتور. لأن الفتور الطويل قد يقود إلى: ضعف الإيمان، قسوة القلب، فقدان لذة الطاعة، وأحيانًا يكون الفتور رسالة من الله، رسالة تقول للعبد: هناك خلل يحتاج إلى إصلاح.
قال بعض السلف: "إني لأعصي الله فأعرف ذلك في قلبي"، فإذا شعر الإنسان بالفتور… فعليه أن يتوقف لحظة ويسأل نفسه: هل هناك ذنب يحتاج إلى توبة؟ هل هناك تقصير يحتاج إلى إصلاح؟
قواعد العودة الآمنة: العودة إلى الله ليست مجرد مشاعر… بل تحتاج إلى منهج واضح، ولعلي قبل ذلك أذكر قصة التابعي الجليل مالك بن دينار وقصته مع التوبة وملخصها قوله تعالى: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ الحديد،16.
لتأخذنا هذه الى أهم قواعد العودة:
1. الأصول قبل الفروع: أول ما يجب إصلاحه هو الأساس: الصلاة في وقتها، الصلة بالقرآن، الذكر
الصدق مع الله.
كثير من الناس يريد أن يبدأ بالطاعات الكبيرة، بينما الأساس ضعيف، والبناء إذا كان أساسه ضعيفًا… فإنه لا يثبت طويلًا.
2. القليل الدائم: قال النبي ﷺ: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"، ليس المطلوب أن تبدأ بداية ضخمة، بعض الناس يتحمس في البداية: يقرأ أجزاء كثيرة، يقوم الليل طويلًا، يضع لنفسه برامج كبيرة، ثم بعد أيام يتوقف كله. الأفضل أن تبدأ ببرنامج بسيط ثابت: صفحة قرآن يوميًا، أذكار الصباح والمساء، ركعتا قيام ولو قصيرتان، القليل الدائم يصنع أثرًا عظيمًا مع الزمن.
3. المجاهدة: العودة إلى الله تحتاج إلى مجاهدة للنفس، النفس تحب الراحة… لكن الطريق إلى الله يحتاج إلى صبر.
قال الله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾العنكبوت،69. فالهداية تأتي بعد المجاهدة، ليس شرطًا أن تشعر بالنشاط دائمًا… لكن المهم أن تستمر.
أدوات الثبات: بعد العودة إلى الله يبقى التحدي الأكبر: الثبات، ومن أهم أدوات الثبات:
1. الصحبة الصالحة، الصديق الصالح يذكرك إذا نسيت، ويعينك إذا ضعفت.
2. ورد يومي من القرآن، حتى لو كان قليلًا… المهم ألا ينقطع، فالقرآن هو غذاء القلب.
3. الذكر والاستغفار، الذكر يحفظ القلب من الغفلة، قال النبي ﷺ: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت."
4. الدعاء، الثبات بيد الله، وكان النبي ﷺ يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك."
5. تقليل الملهيات، كلما قلّت الملهيات… سهلت الطاعة، جاء رجل الى عبدالله بن المبارك يشكو قسوة قلبه.
فقال له: "اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة. فإن لم تجده هناك… فاسأل الله أن يعطيك قلبًا، فإنه لا قلب لك".
أيها الأحبة…
كل واحد منا مرّ بلحظة ضعف، كل واحد منا شعر يومًا بالفتور، لكن المؤمن الصادق لا يجعل الفتور نهاية الطريق.
بل يجعله بداية العودة، إذا ضعفت… عد إلى الله، إذا أخطأت… تب إلى الله، إذا فتر قلبك… أحيه بالقرآن والذكر، فالله لا يملّ من قبول التوبة…ولا يرد من طرق بابه صادقًا.
قال الله تعالى:
﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾الزمر،53.
فلا تجعل الفتور اغترابًا… بل اجعله إيابًا صادقًا إلى الله.
اللهم ردنا إليك ردًا جميلًا، وأصلح قلوبنا، وثبتنا على طاعتك،
واجعل عودتنا إليك إيابًا دائمًا لا اغتراب بعده.
