تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
المسلمون بين كفّ الأذى وإماطة الأذى
إعداد الشيخ عبد الله عياش- عضو حركة الدعوة والإصلاح
لم تعرف البشرية على امتداد تاريخها الطويل أستاذًا كمحمد بن عبد الله ﷺ، ففي العلم لا يبلغ أحد عشر معشاره، ولو امتلأت الدنيا من أسفاره، بل كلٌ يغرف منه بقدر إنائه، ولا تنقص قطرة من مائه، وأما التربية فهو رافع بنيانها وفارس مَيدانها، ولا أدلّ على ذلك الجيل الرباني الذي تخرج على يديه، جيل فريد لا ينافسه أحد في محراب ولا احتراب، بل حاز قَصَب السّبق في كل باب، ولعلنا نقف في هذا المقال على شيء من هديه ﷺ في تعليمه وتوجيهه.
جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: "مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤذِ جارَه، ومَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليُكرِمْ ضَيفَه، ومَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليسكُتْ. وفي روايةٍ: فليُحسِنْ إلى جارِه".
يلاحظ في هذا البيان النبوي الكريم، أن الأعمال على مرتبتين: عملٌ وترك، فعلٌ وكفّ، (فليحسن إلى جاره): هذا عملٌ، بينما (فلا يؤذِ جاره): هذا ترك. (فليقل خيرًا): هذا فعلٌ، بينما (ليسكت): هذا كفّ.
وهذه المراتب كثيرًا ما تظهر في تضاعيف كلام النبي ﷺ، فمرة يتحدث عن (إماطة الأذى) -وهو فعلٌ- فيقول: "الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، ويضرب عليه أمثلة كقوله: "مرَّ رجلٌ بغصن شجرةٍ على ظهر طريقٍ، فقال: والله لأُنَحِّيَنَّ هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأُدخِلَ الجنَّة".
ومرة يتحدث عن (كفّ الأذى) -وهو تركٌ-، فيقول عن حق الطريق: "غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بالمَعروفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ". ويضرب عليه أمثلة كقوله صلى الله عليه وسلم: "دَخَلَتِ امرَأةٌ النَّارَ في هرَّة رَبَطَتها، فلَم تُطعِمْها، ولَم تَدَعْها تَأكُلُ مِن خَشاشِ الأرض".
وإن الناظر اليوم إلى مجتمعنا في الداخل الفلسطيني ليوقن بأن كثيرًا من الناس لم يصل بعدُ إلى مرتبة (فعل الخير)، ولكنه مطالب الآن بـ(ترك الشرّ)، كثير من الناس لم يرقَ بعدُ إلى منزلة (إماطة الأذى) ولكنه مطالب فقط بـ(كفّ الأذى) .. كفّ أذى السلاح، وكفّ أذى اللسان، وكفّ أذى (الخاوة) وغيرها الكثير مما يعاني منه مجتمعنا.
أَكتُب هذه الكلمات والقلب يعتصر ألمًا مما آلت إليه الأمور. مع التأكيد على أن هذا الكفّ ليس هو الحالة الأصلية، ولا الوضعية المثالية للمجتمعات المسلمة، فالأصل في المسلم هو الخير والنفع والإيجابية، قال تعالى: {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} [الحج: 77]. ولكن إذا تعذّر فعل الخير، ننزل منه إلى الكفّ عن الشرّ.
يؤكد هذا ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: "قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ الأعمالِ أفضَلُ؟ قال: الإيمانُ باللهِ، والجِهادُ في سَبيلِه، قال: قُلتُ: أيُّ الرِّقابِ أفضَلُ؟ قال: أنفَسُها عِندَ أهلِها وأكثَرُها ثَمَنًا، قال: قُلتُ: فإن لَم أفعَلْ؟ قال: تُعينُ صانِعًا، أو تَصنَعُ لأخرَقَ، قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أرَأيتَ إن ضَعُفتُ عن بَعضِ العَمَلِ؟ قال: تَكُفُّ شَرَّك عَنِ النَّاسِ؛ فإنَّها صَدَقةٌ مِنك على نَفسِك".
فهذا نداء من النبي الكريم ﷺ إلى من يسفك الدماء ويقتل الأبرياء ويروّع الآمنين؛ أنْ تصدق على نفسك وعلى مجتمعك بكفّ أذاك عنهم .. لا يبتغي الناس نفعك، ولا يريدون خيرك، ولكن كفّ عنهم أذاك وشرّك، هذا أقل ما يجب أن تلتزم به إن كنت مسلمًا، ف"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".
ويقول يحيى بن معاذ: "ليكن حظُّ المؤمن منكَ ثلاثة: إن لم تنفعه فلا تضرّه، وإن لم تُفرِحهُ فلا تغُمّه، وإن لم تمدحه فلا تذُمّه". فمن لم يقدر على الثانية فليلتزم بالأولى، فلا يضرّ إخوانه ولا يغمّهم ولا يذمّهم، حتى إذا حقّق هذا المقام، وأنِسَ من نفسه التزامًا بهذه المرتبة؛ ارتقى منها إلى نفعهم وإسعادهم ومدحهم.
وأما من يُخطئ هاتين المرتبتين فقد حق فيه قول الله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا} [الأحزاب: 58]. وصدق فيه قول إياس بن معاوية: سَلِمَتْ منك الروم والسند والهند والترك، ولم يسلم منك أخوك المسلم؟!
فيا معاشر المسلمين: نحن أمة (تحابوا) و(تراصّوا)، وأمة (لا تباغضوا) و(لا تحاسدوا)، وقد أوصانا حبيبنا ﷺ فقال: "وكونوا عباد الله إخوانًا"، فأين نحن منها!