X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أراء حرة
اضف تعقيب
28/05/2026 - 05:30:34 pm
المجتمع البشريّ رهن التوازن بين ربح وخسارة بقلم: مرزوق الحلبي

المجتمع البشريّ رهن التوازن بين ربح وخسارة

بقلم: مرزوق الحلبي

الحداثة في طورها الأوّل كانت تعني فصل الدين عن المجتمع وإدارته، أو بكلام آخر إيكال إدارة الاجتماع إلى العقل البشريّ، وليس لأحكام اللاهوت، للمجتمع المدنيّ لا للكنيسة (المؤسّسة الدينيّة) وتصوّرها للعالم. بوصفها كذلك، سعت الحداثة إلى إعمال العقل العلميّ في إدارة المجتمعات، وما يعنيه ذلك من بحثٍ ودراسةٍ ومقارنةٍ وإثبات الجدوى والمنفعة. ابتعد مناصروها عن المطابقة بين الوضع الطبيعيّ وبين الاجتماع، وخلصوا إلى أن إدارة الاجتماع تتمّ بأيدي الإنسان والعقل البشريّ، وليس وفق حتميّة أو قدريّة منصوص عليها في الأديان. أمّا في طورها الثاني، فقد سعت الحداثة إلى تحقيق سعادة الإنسان من خلال ترشيد الاجتماع وإقامة التوازنات الدقيقة بين القيَم والمُثُل، بين الحريّة والمساواة، بين الفرد ومجتمعه، بين الحريّات والأمن العام، بين السوق والنظام، بين المُنتِج والمُستهلك، بين الإنتاج وحماية البيئة، بين استغلال الطبيعة وحمايتها. من هنا، فإنّ النظريّات في صياغة الدساتير وتشريع القوانين ركّزت على إقامة هذه التوازنات باعتبارها أساسًا لاجتماعٍ معقولٍ يشعر فيه الجميع بالأمن وبالقدرة على تحقيق ذواتهم.

أمّا إقامة مجتمعات الرفاه، فقد شكّلت ذروة الحداثة وأفضل صيغة في إقامة التوازنات، وغايتها إسعاد الإنسان وخدمته في مروحةٍ واسعةٍ من الحقول. في هذه المرحلة مثلًا، تمّ اعتبار توفير المسكن والمأكل والمشرب من وظائف المجتمع/الدولة، وكذلك توفير الكرامة الإنسانيّة. وفي هذه المرحلة أيضًا، كان على الدولة أن تضمن مجموعات من الحقوق "سالبة" و"موجبة" ـ وفق يشعياهو برلين ـ "سالبة"، وهي الحقوق والحريّات التي تُضمن للفرد بامتناع الدولة والمجتمع عن التدخّل، و"موجبة"، وتُضمن باختيار الفرد نفسه كذات، وليس كموضوع، كمخلوقٍ مُدركٍ وواعٍ، وليس كمُسيّر. بمعنى ما، كان على المجتمع الحديث أن يُقيم التوازنات بين المعاني الهامّة للإنسان، وبين الحقوق الفرديّة والحقوق الجماعيّة، وبين الفرد والدولة. وعلى هذا الأساس، تمّ تطوير فكرة العقد الاجتماعي على أطوارها، وهي في جوهرها قبول الفرد طوعًا بالتنازل عن بعض المعاني التي تهمّه وتتعلّق بالحريّات، لتستطيع الدولة/المجتمع أن تضمن له السلامة العامّة والحيّز لتحقيق ذاته وقدراته.

منذ ذلك الحين، هاجرت طيورٌ كثيرةٌ من أوطانها ثمّ عادت، لأنّ المجتمعات تحوّلت على وقع سيروراتٍ اقتصاديّةٍ جذريّةٍ أنتجت جيلًا جديدًا من الأفكار، وهو ما يُثبت ما أتت به الماركسيّة الكلاسيكيّة من أن البنية التحتيّة تُنتج البنية الفوقيّة. أمّا جوهر التحوّل الذي حصل في "الحداثة السائلة" ـ كما يُسمّيها زيغموند باومان، ولها تسمية أعمّ وأشمل "ما بعد الحداثة" ـ فهو انتقال السعي من توازنات المعاني والقيَم والمُثُل التي تحقّق سعادة الإنسان ورفاهيّته، إلى توازناتٍ مسطّحةٍ بين الربح والخسارة، بين الجدوى وانعدامها، بين المنفعة والكُلفة؛ أي بين بُعدين اثنين لوجود المجتمعات: بين ربحيّة الذي يُنتج، وبين منفعة الذي يستهلك. لم يكن هذا ليحدث لولا أن النظريّات الاجتماعيّة المتأخّرة - فريدريك هايك مثلًا في "دستور الحرية" (The Constitution of Liberty)، وروبرت نوزيك في "الفوضى، الدولة، اليوتوبيا" (Anarchy, State, and Utopia)- كادت تُلغي المجتمع بالكامل لصالح الفرد وحريّاته. وقد اعتُبرت أفكارهما وأفكار أمثالهما الأساس النظريّ لليبرتيانيّة (التحررية- Libertarianism)، الليبراليّة المُطلقة كما جسّدتها السوق المُعولمة والمحرّرة من أنظمة الحماية الوطنيّة ومن التدخّل الحكوميّ. ومن نتائج هذه الأفكار مثلًا "إنكار" وجود المجتمع أصلًا، الملزم بتوفير حقوق وضمانات العيش للفرد، كما فعلت مارغريت تاتشر في حينه، التي كانت تسأل بكثيرٍ من الإنكار: "أين هو المجتمع؟ لا وجود لكيان كهذا". أمّا التأثير الأكبر، فهو تعميق الرفض لفكرة المساواة والعدل في توزيع الثروات كما طرحها جون رولز في كتابه "نظرية في العدالة" (A Theory of Justice). وكان تحفّظه على مبدأ النفعيّة في إدارة المجتمعات وقصرها على إطلاق حريّات السوق أو حسابات الكلفة في إدارة الاجتماع، وحثّه على التوزيع العادل للخير العام كمعادلٍ لفكرة الحريّات، وعلى الاهتمام بمعاني الحياة كالكرامة الإنسانيّة مثلًا، كي يستوي النظام الاجتماعيّ وتتحقّق السعادة والرفاهيّة للفرد.

يُمكننا القول إنّ أفكار نوزيك وهايك، وإن جاءت تحت توكيد الحريّات للأفراد، إلّا أنّها شكّلت في عصرنا الراهن أساسًا وتبريرًا لما هو حاصل من انحسار المجتمعات لصالح قوى السوق والإنتاج، وتقليص واجبات الدولة والتزاماتها إلى الحدّ الأدنى. وهما سيرورتان مضفورتان، أفضتا، فيما أفضتا إليه، إلى انحسار دولة الرفاه بما تعنيه من مسؤوليّةٍ مباشرةٍ عن حياة الإنسان، وعن تدمير شبكات الأمان والضمان الاجتماعيّة، بما فيها سلّة الخدمات العامّة، وإخضاعها لقوانين السوق في قياس الجدوى وفي ملكيّتها التي آلت، في كثيرٍ من المجتمعات، إلى قوى السوق وأيدٍ خاصّةٍ تحدّد مناليّتها وأسعارها والحقّ في تلقّيها. مثل هذه السيرورات المتواصلة منذ منتصف القرن الفائت أفضت إلى تغيير وظائف الدولة؛ فهي لم تعد ملتزمةً إلّا بضمان حريّات قوى السوق والامتناع كليًّا عن التدخّل في نشاطها، وهو ما رأى فيه البعض فاتحةً لتداعي مفهوم السيادة الوطنيّة وتراجعه أمام سيرورة العولمة، باعتبارها دكّ الحدود والقيود أمام حركة الرأسمال والسلع والعمالة وخطوط الإنتاج والأفكار والمعايير. أمّا الغاية النهائيّة لهذه التحوّلات، فهي تكريس مبدأ الربح في مقابل إمكانيّة الخسارة، ثنائيّة تبسيطيّة وتسطيحيّة طغت على نظريّات الاجتماع الكلاسيكيّة المتحدّرة من أفكار المدينة الفاضلة ودولة الرفاه ومُثُلها. وهذا ما قوّض النظريّة الديمقراطيّة من أساسها كما نشهد على ذلك الآن. وقد أنتجت حركة دفعٍ قويّةٍ، علنيّةً وخفيّةً، تحكم النشاط الإنسانيّ في حقول حياتنا كافّة؛ قوّة لا تسأل عن الوسائل بل عن النتيجة. فالربح ـ وفق هذا المنطق النافذ ـ هو تحقيق الربح، ولا يهمّ كيف يتمّ ذلك وبأيّ ثمن. يُمكنك أن تدمّر الطبيعة، وتجتثّ الغابات، وتغيّر المناخ، وتقضي على بيئةٍ حيوانيّةٍ كاملةٍ ـ المهمّ أن تسجّل في نهاية المشروع "ربحًا"! ويُمكنك أن تدوس حقوق مواطنيك وشعوبًا ودولًا، كما هو حاصل الآن ـ المهمّ أن يكبر رصيدك في البنك! وهذه هي النتيجة الحتميّة لسياسات إقامة التوازن بين أمرين اثنين لا ثالث لهما: بين الربح والخسارة.

(برلين)










Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت