تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
مقالات بروفسور حسين علي غالب بابان
قحطٌ في الأفكار
احتفلت شركةٌ صينيةٌ لها فروعٌ في عدة دول حول العالم بمرور عقدها الأول، بعد نجاحٍ باهرٍ وأرباحٍ فلكيةٍ تُقدَّر بعدة ملايين من الدولارات، وشارك في الاحتفال زبائنُها المخلصون من أربعين دولة حول العالم ، وكذلك وصلوا إلى الزبون رقم اثنين وخمسين ألف .
صاحبُ الشركة شابٌّ شاهد برنامجًا تلفزيونيًّا عن الكواكب في الفضاء الخارجي وقرأ كثيرًا، حتى قرر أن يؤسس شركةً لبيع قطع أراضٍ على “القمر”..!!
قد يتوقع البعض أن الفكرة فاشلة وتافهة وأنها ستجعل من صاحبها أضحوكة، لكن العكس هو الصحيح إذ بدأت مواقع تسوقٍ رصينة ومرموقة بالتعامل معه، ووصل الأمر إلى أن شركاتٍ أخرى بدأت بتقليد فكرته في بيع أراضٍ في كواكب أخرى بحثًا عن الشهرة والأرباح المرعبة فشبكة الإنترنت يجد الباحث فيها كلَّ شيءٍ يفكر فيه.
صاحب فكرة “بيع أراضٍ على القمر” لم ينجح لأن الفكرة منطقية علميًّا، بل لأنه فهم شيئًا أساسيًّا وهو أن الناس تشتري الحكاية والرمز والشعور بالتميّز، وليس المنتج نفسه فقط فكثيرٌ من المشاريع الناجحة بدأت أفكارًا بدت سخيفة أو مستحيلة في البداية، ثم تحولت إلى تجارةٍ ضخمة لأن أصحابها امتلكوا الجرأة على التجربة والاستمرار.
ومن خلال قراءتي لأغلب المشاريع، أجد أن مؤسسيها هم من شريحة الشباب الذين بدأوا بمبالغ زهيدة لا تكاد تُذكر، واجتهدوا وخططوا حتى حققوا النجاح الذي كانوا يحلمون به.
فأين شبابنا ومعظمهم أكاديميون وحملة شهاداتٍ عليا مرموقة في تخصصاتٍ مهمة، لا أجد أحدًا منهم يقدم فكرةً تحقق النفع له أولًا ثم لغيره ، فلماذا نعاني من “قحط” في الأفكار رغم أن مشكلاتنا وهمومنا لا تُعد ولا تُحصى..؟؟
وإذا حاولنا إيجاد حلولٍ لما نعانيه فإننا نقدم حلولًا ترقيعيةً قديمةً مكررة آلاف المرات وثبت فشلها المدوي وبالية ومكلفة جدًّا، وغير مجدية بتاتًا بأي شكل من الأشكال ، ومع ذلك لا نملك غيرها لنطبقها على أرض الواقع، وإن فتح أحدهم فمه ليقول كلمةً واحدةً فقط وجدنا الجميع يهاجمه ويحاول إيقافه بشتى السبل لأننا عشاق للفكر التقليدي ونرفض التجديد جملة وتفصيلا لأسباب كثيرة أهمها خوفنا من تحمل المسؤولية ومن الفشل الذي سوف يلاحقنا إلى الأبد .
أعضاء بشرية للجميع
هناك أمراض كثيرة وأعداد مرعبة من المرضى المحتاجين إلى زراعة أعضاء بشرية مختلفة، يقفون على قوائم الانتظار في المستشفيات، ومع شديد الأسف يتوفى كثيرون منهم قبل حصولهم على العضو المناسب، بينما يعيش الباقون حياة مليئة بالمعاناة بسبب فترات العلاج الطويلة.
لقد كانت عملية “ديفيد بينيت” نقطةً مفصلية في مجال يُعرف باسم “زرع الأعضاء بين الأنواع” (Xenotransplantation)، رغم أن المريض توفي لاحقًا نتيجة مضاعفات متعددة، ومع ذلك فتحت هذه العملية بابًا علميًا مهمًا للغاية ونقل العالم خبرها باهتمام وفرح، فهو أول مريض يخضع لزراعة قلب خنزير معدل جينيًا لكنه بالتأكيد لن يكون الأخير، لقد فُتحت الأبواب على مصراعيها ومن المتوقع أن يتنافس علماء الطب حول العالم لتطوير هذا المجال وإنقاذ المرضى.
الفكرة الأساسية اليوم ليست مجرد زرع عضو حيواني عادي، بل استخدام أعضاء حيوانات — وخصوصًا الخنازير — بعد تعديلها جينيًا لتقليل احتمالية رفض جهاز المناعة البشري لها، وهذا المجال يتطور بسرعة كبيرة وهناك بالفعل تجارب حديثة على زراعة الكلى والقلب والكبد.
تعاني دول العالم من نقص حاد في المتبرعين بالأعضاء البشرية، ومع نجاح هذه التجارب سوف يتجه التركيز بصورة أكبر نحو استخدام أعضاء الحيوانات لتلبية احتياجات المرضى ومنحهم فرصة للاستمرار في الحياة.
وبكل تأكيد سيظهر مشككون وخائفون من هذه الطفرة الطبية التي ما تزال تخطو خطواتها الأولى، لكن التاريخ علمنا أن كل اختراع أو ابتكار أفاد البشرية واجه في بدايته كثيرًا من التشكيك والخوف ثم ما يلبث أن يصبح جزءًا طبيعيًا من حياة الناس.
والسؤال المطروح الآن على علماء الطب حول العالم، هل يمكن أن تصبح الأعضاء الحيوانية المزروعة سلاحًا فعالًا في مواجهة أنواع مختلفة من السرطان..؟؟
فعلى سبيل المثال في أمراض مثل سرطان الكبد أو سرطان البنكرياس أو سرطان الرئة، وغيرها من أنواع السرطان الكثيرة هل سيكون العلاج مستقبلًا قائمًا على استئصال العضو المصاب وزراعة عضو حيواني بديل بعد تعديله جينيًا..!!
حتى الآن لا توجد إجابة علمية قاطعة، لأن السرطان ليس مرضًا واحدًا بل مجموعة كبيرة من الأمراض المعقدة، وبعضها ينتشر في الجسم ولا يمكن علاجه بمجرد استبدال العضو المصاب، ومع ذلك قد تصبح زراعة الأعضاء المعدلة جينيًا جزءًا مهمًا من علاج بعض الحالات في المستقبل.
إنه سؤال مهم، وربما تحمل لنا السنوات القادمة إجابات واكتشافات مدهشة في هذا المجال الطبي الواعد.
تحقيق الاكتفاء الذاتي
تتسابق حكومات الدول و خبراؤها في مختلف المجالات لتحقيق الاكتفاء الذاتي بأسرع وقت ممكن في المواد والحاجيات الأساسية اللازمة لحياة المواطنين. ويمكن تعريف الاكتفاء الذاتي باختصار بأنه قدرة الدولة على توفير مادة أو مورد أساسي بكميات كافية تغنيها عن الاستيراد وقت الحاجة، مما يخفف الأعباء المالية ويجنبها تقلبات الأسعار العالمية أو صعوبة الحصول على تلك المواد بسبب زيادة الطلب عليها في الأسواق الدولية.
ورغم تعدد جوانب هذا الموضوع وتشعبه، فإنني سأركز على نقطتين أساسيتين تمثلان ركيزة مهمة في حياة الإنسان والمجتمع وهما المياه والطاقة.
إذا تأملنا خريطة الشرق الأوسط بدقة، سنجد مع شديد الأسف أن معظم دول المنطقة لم تحقق الاكتفاء الذاتي في كثير من الموارد الأساسية، وعلى رأسها المياه فقد أعلنت دول عديدة حول العالم أنها تعاني من أزمة شح مائي خطيرة تهدد حياة الملايين، لكن السؤال المطروح، أين نحن من هذه التحذيرات..؟؟
فبشكل يومي نسمع عن شوارع غرقت بمياه الصرف الصحي أو بمياه الأمطار نتيجة ضعف البنية التحتية وسوء التخطيط، كما نقرأ باستمرار عن مشاريع سدود ومحطات تحلية مياه يجري الحديث عن إنشائها، إلا أن الكثير منها يبقى مجرد وعود لا تظهر نتائجها على أرض الواقع، إضافة إلى ذلك فإن شبكات المياه في بعض الدول قديمة ومتهالكة، مما يؤدي إلى هدر كميات كبيرة من المياه الصالحة للاستخدام، وهذا يعني أن الثروة المائية التي تقوم عليها حياة الإنسان وكل الكائنات الحية أصبحت مهددة بشكل حقيقي في منطقتنا.
تُعد مشكلة الوقود والطاقة من أبرز الأزمات التي تواجه العديد من الدول ، رغم وجود دول منتجة للنفط والغاز الطبيعي ومع ذلك، نلاحظ وجود نقص في بعض المشتقات النفطية إضافة إلى الانقطاعات المتكررة في التيار الكهربائي في دول مثل العراق ومصر واليمن والسودان وسوريا ولبنان، وذلك بسبب غياب التخطيط السليم وضعف الإدارة وافتقار المشاريع التنموية إلى المتابعة الجادة.
إن عدم وجود خطط استراتيجية واضحة يجعل من الصعب على هذه الدول الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، رغم ما تمتلكه من ثروات وإمكانات كبيرة يمكن أن تجعلها في مقدمة الدول اقتصاديًا وتنمويًا.
وفي الختام يشهد العالم اليوم أزمة اقتصادية خانقة، ولا تبدو مؤشرات التحسن واضحة في الوقت الحاضر، لذلك فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي في الحاجيات الأساسية يمثل عنصرًا مهمًا في تعزيز الأمن والاستقرار، ويمنح الشعوب شعورًا بالطمأنينة والثقة بمستقبلها الاقتصادي والاجتماعي، كما يساعد الدول على مواجهة الأزمات العالمية والتحديات المفاجئة بثبات وقوة ، ومن لا يصدق ما كتبته فليتابع أزمة مضيق هرمز بأدق تفاصيلها كيف أثرت على العالم بأسره.
