X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أراء حرة
اضف تعقيب
16/06/2026 - 05:18:44 pm
مقال: أسرار حيَّ على الصلاة.. نداء الحياة والاستجابة

مقال: أسرار «حيَّ على الصلاة».. نداء الحياة والاستجابة

إعداد الشيخ عبد الله إدريس-عضو حركة الدعوة والإصلاح

يتردد في الأذان كل يوم ذلك النداء العظيم: «حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح»، فيتكرر الفعل «حيَّ» أربع مرات في كل أذان، مرتان في كل شطر. وليس هذا الاختيار اللفظي عبثًا؛ فلو كان المقصود مجرد الدعوة إلى القيام للصلاة لقيل: «هيا إلى الصلاة» أو «قوموا إلى الصلاة». لكن كلمة «حيَّ» تحمل في طياتها معاني أعمق وأبلغ، تجمع بين الحياة الحقيقية وسرعة الاستجابة لأمر الله تعالى.

الحياة الحقيقية في ذكر الله

أول ما تدل عليه كلمة «حيَّ» معنى الحياة؛ ومنها قولنا: كائن حي. وكأن الأذان يعلن للناس أن الحياة الحقيقية ليست في حركة الأجساد، وإنما في اتصال الأرواح بربها. وهذا ما دلَّ عليه قول الله تعالى: "يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" (سورة الأنفال،24).

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة بقوله: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت». فحياة القلب تكون بالذكر والصلاة والقرآن، أما الغفلة فموت وإن كان صاحبها يمشي بين الناس.

ومن هذا المعنى أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تَجعَلوا بُيوتَكُم مَقابِرَ، إنَّ الشَّيطانَ يَنفِرُ مِنَ البَيتِ الذي تُقرَأُ فيه سورةُ البَقَرةِ». فالمنازل التي تعمر بالصلاة والقرآن والذكر منازل نابضة بالحياة والبركة، وأهلها ينالون حياة طيبة في الدنيا، وفلاحًا في الآخرة.

المبادرة وعدم التأخير

أما المعنى الثاني لكلمة «حيَّ» فهو الإسراع والمبادرة، أي أقبل إلى الصلاة سريعًا، ولا تؤخر الاستجابة لنداء ربك.

ولهذا ذم النبي صلى الله عليه وسلم الذين يتأخرون عن الطاعات فقال: «ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله». فالمؤمن الصادق لا يكتفي بالطاعة، بل يحرص على أن تكون استجابته سريعة دون تردد أو تسويف.

ومن أجل ذلك عظَّم الإسلام شأن التبكير إلى صلاة الجمعة، فقال صلى الله عليه وسلم: «من راح في الساعة الأولى فكأنّما قرّب بَدَنَة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنّما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنّما قرّب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنّما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنّما قرّب بيضة، فإذا صعد الإمام المنبر حضرت الملائكة يستمعون الذكر».

إنه درس عملي في المسارعة إلى أمر الله تعالى، حتى إن الوضوء قبل الأذان ـ وهو سنة ـ يحمل معنى المبادرة والاستعداد، ولذلك كان أبلغ في إظهار الشوق للطاعة من انتظار الأذان ثم الوضوء بعدها. ومن هنا أيضًا جاء فضل الصف الأول؛ لأن أهله بكروا وسارعوا واستجابوا قبل غيرهم.

ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم كما في رواية أم فروة بنت أبي قحافة: «أي الأعمال أفضل؟» قال: «الصلاة في أول وقتها»، لأن فيها معنى المبادرة والمسارعة إلى أمر الله تعالى.

جيل تربى على سرعة الامتثال

لقد صنع الإسلام جيلًا فريدًا لا يعرف التردد أمام أمر الله ورسوله. ومن أروع صور ذلك ما رواه جابر رضي الله عنه قال: لما استوى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة قال: «اجلسوا»، فسمع ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فجلس على باب المسجد، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «تعال يا عبد الله بن مسعود» [أبو داود].

وفي موقف آخر، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟» قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن جبريل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا، أو قال: أذى...». [أبو داود].

ولم تكن سرعة الاستجابة مقتصرة على الأوامر الظاهرة فحسب، بل بلغت أدق شؤون الحياة. فعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تبايعون رسول الله؟» ... ثم قال: «على أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا» وأسرّ كلمة خفية «ولا تسألوا الناس شيئًا». يقول الراوي: «فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه».

النساء شقائق الرجال في الامتثال

ولم يكن الرجال وحدهم أهل المبادرة، بل كانت نساء الصحابة مثالًا مشرقًا في سرعة الامتثال لأوامر الله تعالى.

فعندما نزل قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (سورة النور،31) سارعت النساء إلى التنفيذ فورًا. تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن مروطهن فاختمرن بها» [البخاري].

والآية أمر من الله بأن تستر النساء رؤوسهن وأعناقهن وصدورهن، والخمر جمع خمار وهو غطاء الرأس، والجيوب جمع جيب وهو شق الثوب من ناحية الصدر.

وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «لما نزلت: (يدنين عليهن من جلابيبهن) خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من الأكسية» [أبو داود].

ومن أعظم صور الاستجابة الفورية ما حدث يوم تحريم الخمر. فقد كان بعض الصحابة يشربون في بيت أبي طلحة رضي الله عنه، والكؤوس في أيديهم، فلما سمعوا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي بتحريم الخمر لم يترددوا لحظة واحدة.

يقول أنس رضي الله عنه: «كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر... فقال أبو طلحة: اذهب فأهرقها. قال: فجرت في سكك المدينة» [البخاري].

وكذلك كان شأنهم في حادثة تحويل القبلة، وفي قصة الرجل الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم في يده خاتم ذهب، فنزعه وطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده». فلما قيل للرجل بعد ذلك: خذ خاتمك وانتفع به، قال: «لا والله لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم» [رواه مسلم].

إن رسالة «حيَّ على الصلاة» ليست مجرد دعوة إلى أداء شعيرة، بل إعلان رباني متجدد بأن الحياة الحقيقية لا تكون إلا بعبادة الله، وأن الفلاح ثمرة المبادرة إلى أمره والاستجابة لندائه.

ولعل أجمل ما يجسد هذا المعنى تلك الأبيات المؤثرة:

يَمْشُونَ نَحْوَ بُيُوتِ اللهِ إذ سَمِعُوا ... اللهُ أكْبَرُ في شَوْقٍ وفي جَذَلِ

أرْوَاحُهُم خَشَعَتْ للهِ في أَدَبٍ ... قُلُوبُهُم مِن جَلاَلِ اللهِ في وَجَلِ

نَجْوَاهُمُ رَبَّنَا جِئْنَاكَ طَائِعَةً ... نُفُوسُنَا وعَصَيَنَا خَادِعَ الأمَلِ

إذا سَجَى اللَّيْلُ قَامُوهُ وأعْيُنُهُمْ ... مِن خَشْيَةِ اللهِ مِثْلَ الجَائِدِ الهَطِلِ

هُمُ الرِّجَالُ فَلا يُلْهِيْهِمُ لَعِبٌ ... عَنِ الصلاةِ ولا أُكْذُوبَةُ الكَسَلِ

وهكذا يبقى الأذان نداء حياة قبل أن يكون نداء صلاة، ودعوة إلى المبادرة قبل أن يكون مجرد إعلام بالوقت. فمن لبّى هذا النداء بقلبه وجوارحه نال حياة القلب في الدنيا، وفاز بالفلاح والنجاة يوم يلقى الله تعالى.




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت