تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
رشاوى من نوع مختلف
بقلم:بروفيسور حسين علي غالب بابان
أكاديمي وكاتب كردي مقيم في بريطانيا
أذكر أنني في صغري سمعت صديقًا لي في المدرسة يُحدثني ويُحدث مجموعةً من رفاقه بأنه اكتشف أخيرًا ما الذي يريده حارس المدرسة، حتى يتمكن هو وغيره من الهرب من المدرسة في الوقت الذي يناسبهم، وكان هذا الحارس فقير الحال وفي رقبته عائلة كبيرة من سبعة أفراد ، وكانت الرشوة عبارة عن علبة سجائر لأنه مدخن شره لا تفارق يده السيجارة أو وجبة طعام دسمة يأخذها معه إلى بيته حتى يسد جوع أفراد عائلته، وبالفعل كان صديقي يهرب من المدرسة كل أسبوع، ورشوته جاهزة بين يديه.
كانت هذه أول مرة أتعرف فيها إلى الرشوة، وفي بداية التسعينيات بدأت أكتب في وسائل الإعلام وأقرأ مختلف الأخبار عن الرشاوى التي تُقدَّم هنا وهناك، ففي السابق كانت الرشوة عبارة عن مبلغ مالي يُقدَّم للموظف الحكومي خصوصًا حتى يُنهي أوراقك ويختلف المبلغ بين بسيط وضخم بحسب المنصب الحكومي وما الذي تريده، أما الآن فقد تطورت الرشوة لتأخذ أبعادًا مختلفة وبعضها طريف للغاية ويدعو إلى الضحك.
تم الكشف عن مسؤول لا يقبل الرشوى المالية بتاتًا، لكن الموظفين الذين يحيطون به ويريدون كسب المال عن طريقه اكتشفوا أنه عاشق لليالي الحمراء و للمحرمات بمختلف أنواعها ونادرًا ما يستيقظ مبكرًا خصوصًا بعد أن حصل على منصبه، ولهذا اضطر الموظفون إلى السير في الطريق المقزز نفسه وتلبية احتياجاته مهما كانت للحصول على توقيعه الكريم.
أما مسؤول آخر فهو يقبل الرشاوى بأسلوب مختلف عن الذي ذُكر أولًا حيث إن رشوته عبارة عن رحلات هنا وهناك، ليس له وحده بل مع جميع أفراد عائلته وأقاربه ومع مرور كل شهر يذهب إلى رحلة مختلفة، فقد ذهب إلى أداء مناسك العمرة في الديار المقدسة كثيرًا بـ«المال الحرام» وبعدها يذهب إلى تركيا للترفيه وماليزيا في فصل الشتاء هربًا من البرد، ومن يدفع الرشوة هو المتكفل بالرحلة للجميع من البداية حتى النهاية.
حتى في مجالنا الإعلامي، أذكر قصة ممتعة رواها لي صحفي من «الطراز الثقيل» في العراق، ففي السنوات الأولى من الحصار الخانق الذي كان مفروضًا على جميع العراقيين، كان يعمل في مجلة حكومية شهيرة في وقتها، وكان رئيس التحرير يفرض دعاية لمطعم شهير في الصفحة الأخيرة من كل عدد، واضطر صديقي إلى العمل كصحفي استقصائي لأن الشكوك والظنون كانت تسيطر عليه، فإذا به يكتشف أن رئيس التحرير «المبجل» كان يذهب كل أسبوع إلى المطعم مع أسرته ويتناولون وجبة لذيذة من المشاوي، وكان الأجر هو الدعاية المجانية التي ينشرها عن مطعمهم في الصفحة الأخيرة بالمجلة بثمن بخس للغاية...!!
الشريحة الدماغية المحدثة
بقلم:بروفسور حسين علي غالب بابان
أعلنت شركة نيورالينك التابعة لرجل الأعمال والمبتكر "إيلون ماسك"، أنها تقترب من وضع اللمسات الأخيرة على النسخة الثانية من شريحتها الإلكترونية المخصصة للزراعة داخل دماغ الإنسان. وكانت الشركة قد نجحت في يناير عام ألفين وأربعة وعشرين من زراعة النسخة الأولى من هذه الشريحة متناهية الصغر لمريض أصيب بشلل رباعي إثر حادثة غطس تعرض لها قبل سنوات.
وتُعد هذه التقنية من أبرز الابتكارات الحديثة في مجال الواجهات الدماغية الحاسوبية، إذ تهدف إلى تمكين الأشخاص الذين يعانون من إعاقات حركية شديدة من التواصل مع الأجهزة الإلكترونية والتحكم بها باستخدام أفكارهم فقط ، أي أن يتحول الدماغ البشري إلى جهاز تحكم عن بعد .
وكان العلماء قد أطلقوا على الشريحة اسم "Link"، وهي تُزرع داخل الجمجمة وتتصل بالدماغ بواسطة خيوط فائقة الدقة تحتوي على مئات الأقطاب الكهربائية، وتقوم هذه الأقطاب بالتقاط الإشارات الصادرة عن الخلايا العصبية المسؤولة عن الحركة ثم تنقلها إلى نظام حاسوبي طويل ومعقد يحولها بعد ذلك إلى أوامر رقمية يمكن تنفيذها على الأجهزة المختلفة.
بعد نجاح العملية الأولى تمكن المريض أخيرا من تحريك مؤشر الفأرة على شاشة الحاسوب بمجرد التفكير فقط ، كما استطاع الكتابة والتصفح واستخدام بعض التطبيقات الإلكترونية دون الحاجة إلى أي حركة جسدية، وقد اعتبر كثير من الباحثين هذا الإنجاز خطوة مهمة في مسار تطوير التقنيات العصبية الحديثة.
رغم النجاح الكبير والمذهل الذي حققته التجربة، ظهرت لاحقاً بعض التحديات التقنية إذ تحركت بعض الخيوط المزروعة داخل الدماغ من مواضعها الأصلية، مما أدى إلى انخفاض عدد الإشارات العصبية التي كانت الشريحة قادرة على التقاطها، ومع ذلك تمكن مهندسو الشركة من معالجة المشكلة جزئياً من خلال تحديثات برمجية متقدمة وتحسينات على الخوارزميات المستخدمة، الأمر الذي سمح للمريض بمواصلة استخدام النظام لساعات طويلة يومياً.
تشير التوقعات في وقتنا الحاضر إلى أن النسخة الثانية من الشريحة ستتضمن تحسينات مهمة على مستوى الدقة والاستقرار والكفاءة، مما قد يسهم في توسيع نطاق استخدامها مستقبلاً، ويرى مختصون أن هذه التقنية قد تفتح آفاقاً جديدة أمام المرضى الذين يعانون من الشلل أو الأمراض العصبية وتمنحهم وسائل أكثر فاعلية للتواصل مع العالم المحيط بهم .
نحن والعطلات.. قصة حب لا تنتهي
بقلم: بروفيسور حسين علي غالب بابان
جَرْيٌ ماراثونيٌّ في إحدى الدوائر الحكومية مصحوب بفرحة عارمة عند الكل ،بعد أن علم الموظفون القادمون جميعا إلى الدوام أن المدير العام غائب لأسباب مرضية، وقد يستمر غيابه عدة أيام أو أسبوع بأكمله حتى يستعيد عافيته.
وأذكر أيضًا عندما كنت طفلًا أنا وغيري كنا نراقب باهتمامٍ بالغٍ آخر نشرةٍ إخباريةٍ مسائية في فصل الشتاء تحديدا وحصرا ، ليس حبًّا في معرفة أخبار العالم الملتهب لا طبعا وما يحدث للاقتصاد العالمي من تطورات متسارعة بالتأكيد لا وألف لا ، بل لمعرفة حالة الطقس فإن كان الجو ماطرًا ولو قليلا ، كان الجميع على أتم الاستعداد لقضاء يومٍ كاملٍ في عطلة أو المرور مرور الكرام على الدوام لمعرفة كيف تسير الأمور ، ثم العودة إلى حضن البيت الدافئ.
نحن نعشق العطلات بسبب أو دون سبب، فإن غاب المشرف عن العمل غبنا معه، وإن حدث تغير في الطقس جلسنا في بيوتنا جميعنا، وإن تعرضنا لحدث اجتماعي سواء كان جيدًا أم سيئًا فإن أول ما نطالب به هو الحصول على عطلة كولادة طفلٍ لنا أو دخولنا في مشروع زواج أو حدوث حالة وفاة.
ومن أكثر العطلات شيوعًا هي «إجازة الأمومة»، وأذكر أن أحد وزراء التربية والتعليم في مصر طالب بتشريع يمنع هذه الإجازة نهائيا وإلى الأبد ، لأن التعليم في مصر - بحسب رأيه - في خطر، بعد أن لوحظ إدمان بعض المعلمات على طلب هذه الإجازة بين فترة وأخرى، وللعلم فإن كثيرًا من الإحصاءات الدولية الرصينة تشير إلى أننا لسنا منتجين فعليًا، رغم ساعات العمل الطويلة التي نقضيها ومع ذلك نطالب بالمزيد من العطلات.
إنها ثقافة موجودة في نظامنا اليومي، ولا يمكننا تجاوزها متجاهلين أن العمل عبادة ومسؤولية تقع على عاتقنا، و يجب أن نتحملها حتى تدور عجلة الحياة إلى الأمام، ففي اليابان ذكرت كتب التاريخ أنه رغم القصف الذري المرعب على هيروشيما وناجازاكي، لم تتوقف دوائر العمل رغم الفاجعة التي حدثت، بل زاد اليابانيون ساعات العمل لتعويض خسائرهم في مختلف الجوانب، على الرغم من أن الشعب الياباني تعرض لما يشبه الإبادة الجماعية.
حسين علي غالب بابان: المثقف الفاعل والمثقف المتفرج
بقلم: بروفسور حسين علي غالب بابان
قمتُ بالدخول إلى موقع المعجم العربي على شبكة الإنترنت، وبحثتُ عن كلمة «مثقّف» فكانت نتيجة بحثي كالتالي: «اسم مفعول من ثقَّفَ، متوسِّع ومتبحِّر في الثقافة والمطالعة».
هذا هو المعنى الذي ظهر لي والذي اعتبرته ناقصًا بالنسبة إليَّ، فواصلتُ بحثي المتواضع حتى وجدتُ تعليقًا لشخص مجهول في أحد مواقع الإنترنت مكوَّنًا من سطر واحد فقط، وهو كالتالي: «المثقّف هو من يمتلك العلم والمعرفة، ويستخدم هذا العلم وهذه المعرفة في خدمة مجتمعه».
ومن هنا أبدأ، فكم من إنسان لدينا يحمل شهاداتٍ عليا معلَّقةً على الحائط، ولم يخدم مجتمعه ولا حتى نفسه بأي شيء يُذكر، وبقي يبكي على حاله ويندب حظَّه العاثر أمام كل من هبَّ ودبَّ والمضحك المبكي أن مجتمعه في أمسِّ الحاجة إليه ومثقلٌ بالهموم والمشكلات، ومع ذلك رضي أن يكون متفرجًا «لا حول له ولا قوة» من دون أي ردة فعل تُحسب له.
أذكر أنه في إحدى المرات، وبينما كنتُ أتجوَّل في قرية عراقية أغلب سكانها من الطبقة البسيطة، حان وقت الصلاة فذهبتُ إلى الجامع وصلَّيت وبعد انتهائي وجدتُ شابًّا في العشرينيات من عمره يلتف حوله رجال من مختلف الأعمار وكانت معه صفحة من صحيفة يُعلِّم الآخرين قراءة عناوينها لأنها مكتوبة بخط كبير، وبقيت صورة هذا الشاب في مخيلتي فهو بصدق يُعدُّ مثقفًا حقيقيًّا، رغم عدم معرفتي به أو بالمرحلة التعليمية التي وصل إليها.
أما الآن فأجد الكثيرين وللأسف فإن جزءًا كبيرًا منهم تربطني بهم علاقة صداقة متينة، يتباهون ليل نهار بأنهم مثقفون من العيار الثقيل، وأن لديهم «طنًّا» من الصور مع مختلف الشخصيات المعروفة، ولهم صولات وجولات متنوعة وكتبًا دسمة، ولكن إذا أبحرتَ في خبراتهم على أرض الواقع وتجاربهم في خدمة المجتمع، فبصراحة أقول وبلا تردد أو خجل: إن رصيدهم أقل من الصفر، ولا يرقى إلى حجم ما يدَّعونه من ثقافة ومعرفة.
ثقافة الإسراف في زمن المناسبات
بقلم: بروفسور حسين علي غالب بابان
سيارات فارهة غطّت شارعًا بأكمله من أوله إلى أخره ، وحشودٌ مدججة بأجهزة الهواتف المحمولة تُصوِّر فردًا واحدًا فقط لا غير ، ونساءٌ من مختلف الأعمار يزغردن ويصفقن فرحا وبهجة ويرمون الحلوى على الجميع أيضا ، وطبعًا من يتابع هذا المشهد الصاخب يتوقع أنه حدث عالمي نادر سوف يغيّر وجه التاريخ، لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا، فقد قررت عائلة صرف مبالغ فلكية احتفالًا بتخرج ابنها من الجامعة.
تمنياتي بالطبع للشاب المتخرج بالتوفيق والسعادة وألف مبروك مني له لنجاحه في دراسته الجامعية وأن شاء الله يصبح من المتميزين في مجال عمله، لكن تصرف أفراد عائلته وكل أقاربه الذين احتفلوا جميعا بسبب هذه المناسبة "العظيمة" ليس مبالغًا فيه فحسب بل يكاد يكون تصرفًا جنونيًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. هذا الإنفاق الذي ذهب هباءً منثورًا من أجل ساعات قليلة مرت بلمح البصر، مع الضجة المزعجة التي نتجت عن الاحتفال، وغلق شارع كامل بالسيارات الفارهة لا يبدو مبررًا بتاتا.
ليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل لقد قرأت عن احتفالات بالزواج وأعياد الميلاد وحتى احتفالات لبعض حالات "الطلاق"، صُرفت فيها مبالغ لا يقبلها عقل ولا منطق، وأصبح الجميع يتسابقون لتحقيق أعلى معدلات الصرف والاستهلاك من أجل لفت الانتباه ليس إلا.
لماذا لا نعود إلى الماضي الجميل، حيث كان الناس ينفقون من أموالهم لرسم الابتسامة على وجوه الآخرين، أفعال وتصرفات عظيمة وراقية تدل على التكافل والخير والمحبة بين جميع فئات المجتمع المختلفة ، وهذا النوع من الإنفاق كلنا نؤيده ونطالب به الصغير قبل الكبير، فقد كانوا يطعمون الجائع بولائم فيها كل ما لذ وطاب، ويدفعون الأموال للشباب المقبلين على الزواج ويشاركونه حتى فرحه، ويسقطون الديون عن الآخرين حتى لا تتأذى عائلاتهم ويلاحقون قانونيا ، وحتى من لم يكن يملك مبلغًا كبيرًا من المال، كان يجمع ممن يعرفهم من أقارب وأصدقاء وجيران ويتفق معهم على القيام بأمر فيه خير لفرد أو عائلة.
لقد بات المجتمع ينتقد هذا البذخ المقزز عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويجب أن يستمر هذا النقد القاسي دون توقف حتى تتلاشى مثل هذه التصرفات إلى الأبد.
