تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
الأذان... شعار الإسلام الذي لا يُسكت
إعداد الشيخ محمود وتد- عضو حركة الدعوة والإصلاح
الحمد لله الذي رفع ذكره، وأعلى كلمته، وجعل شعائره مناراتٍ للهداية، فقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل بيوته أحب البقاع إليه، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الذي صدع بالتوحيد، وأقام الصلاة، وأمر برفع الأذان، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الأمم لا تُستهدف في أرضها فحسب، بل تُستهدف في عقيدتها، وفي هويتها، وفي شعائرها، فإذا ضعفت الشعائر ضعفت الصلة بالله، وإذا هانت الشعائر في النفوس هان الدين في القلوب.
أيها المسلمون...
ليس الأذان كلماتٍ تُردد، ولا صوتًا يعلو في الفضاء ثم ينتهي أثره، بل هو إعلانٌ يومي بأن لهذا الكون ربًا واحدًا، وأن لهذه الأرض أهلًا يوحدون الله، وأن فوق كل سلطان سلطان الله، وفوق كل قوة قوة الله، وفوق كل إرادة إرادة الله. يبدأ بالتكبير، ليُعلن أن الله أكبر من الجبابرة، وأكبر من كل من ظن أنه يملك أن يمنع ذكر الله في أرضه.
إن الأذان هو أول ما يلامس سمع المولود، وآخر ما يودع به المؤمن في قبره، وهو الصوت الذي تعاقبت عليه الأجيال منذ أربعة عشر قرنًا، فلم تستطع السيوف أن تسكته، ولا السجون أن تمنعه، ولا الطغاة أن يطفئوا نوره.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن يكون الأذان هدفًا لكل من أراد طمس هوية المسلمين. فمن أراد أن يطمس هوية أمة، بدأ بمحو معالمها، وإضعاف رموزها، والتضييق على شعائرها. ولذلك يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (114,سورة البقرة). إنها آية تهز القلوب، وتبين أن منع ذكر الله في بيوته من أعظم صور الظلم.
أيها الأحبة...
إن ما نشهده اليوم من محاولات تقييد رفع الأذان ليس قضية صوت، وإنما قضية هوية، وليست قضية مكبرات، وإنما قضية شعائر. فالذي يضيق بالأذان لا يضيق بصوت المؤذن، وإنما يضيق بما يحمله الأذان من معاني التوحيد والانتماء والثبات.
ومع ذلك فإننا، ونحن نرفض كل مساس بحقنا كمسلمين في إقامة شعائرنا، نؤكد أن موقفنا ينطلق من حقنا الثابت في حرية العبادة، ومن تمسكنا بقيم العدل والكرامة، ومن إيماننا بأن الشعائر الدينية ليست منحة من أحد، بل حق أصيل لا يجوز الانتقاص منه.
ولكن، عباد الله، تعالوا لنسأل أنفسنا سؤالًا صريحًا: هل يكفي أن ندافع عن صوت الأذان، بينما يضعف أثره في حياتنا؟ هل يكفي أن نغضب إذا مُنع الأذان، ثم لا نجيب نداءه إذا ارتفع؟ كيف نطالب بأن يبقى الأذان عاليًا، وبعض المساجد تشكو قلة المصلين في حضور الصلوات الخمس؟ وكيف نعلن أن الأذان شعارنا، ثم يتأخر كثير منا عن الصلاة أو يفرط فيها؟
إن أعظم انتصار للأذان ليس أن يبقى صوته مرتفعًا فحسب، بل أن تبقى القلوب حيةً به، وأن تمتلئ المساجد بأهلها، وأن يخرج من بين صفوفها جيل يعظم الله، ويعظم شعائره، ويعتز بدينه، ويحمل أخلاق الإسلام في بيته وسوقه ومدرسته ومجتمعه.
يا عباد الله...
لقد مر على هذه الأمة من المحن ما هو أشد، وتعاقبت عليها دول وجبابرة ظنوا أنهم قادرون على إطفاء نور الله، فذهبوا جميعًا، وبقي الأذان. رحل الظالمون، وسكتت أصواتهم، وما زالت كلمات المؤذن تتردد في الآفاق: الله أكبر... الله أكبر. وذلك لأن الله تكفل بحفظ دينه، فقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾(32سورة التوبة).
فلنكن على مستوى هذه الأمانة. لنعمر المساجد، ولنرب الأبناء على حب الأذان، مستجيبين لندائه.
إن يقيننا الذي لا يتزعزع أن ما كان لله يبقى، وأن ما كان للباطل يزول.
وأن الأذان سيظل، بإذن الله، يصدح في سماء بلادنا، شاهدًا على إسلام هذه الأرض، وعلى تعلق أهلها بربهم، وستبقى المآذن، مهما اشتدت المحن، مناراتٍ تنادي: الله أكبر، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
اللهم لا تترك مساجدنا بلا مآذن، ولا مآذننا بلا أذان، ولا أذاننا بلا مصلين.
اللهم لا تترك أمتنا بلا دعاة مصلحين، ولا مصاحفنا بلا تالين، ولا قلوبنا بلا إيمان، ولا بيوتنا بلا سكينة، ولا أوطاننا بلا أمن وأمان.
اللهم اجعل الأذان يصدح في مشارق الأرض ومغاربها إلى قيام الساعة، واجعلنا من أهل الصلاة الذين إذا سمعوا المنادي أجابوا، وإذا دعوا إلى الخير سارعوا، وإذا دعوا إلى الحق ثبتوا.
اللهم احفظ مساجدنا، واحفظ عبادك المؤمنين، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
