X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أراء حرة
اضف تعقيب
25/07/2026 - 02:39:12 pm
كيف يُدَجَّن الوعي الجمعي باسم الواقعية؟ بقلم: د.سمير الخطيب

كيف يُدَجَّن الوعي الجمعي باسم الواقعية؟
 

​قراءة في البنية الفكرية لخطاب منصور عباس والموحدة

بقلم: سمير الخطيب

ليست أخطر أشكال الهيمنة تلك التي تحتل الأرض، بل تلك التي تحتل العقل. فالتاريخ يعلمنا أن الجيوش قد تُهزم، والإمبراطوريات قد تنهار، والحدود قد تتغير، لكن الأفكار التي تستقر في وعي الشعوب تبقى لعقود، تتحكم في طريقة تفكير المجتمع وتحدد خياراته  حتى بعد تغير الظروف.

ولهذا فإن الصراع السياسي لا يبدأ عند صندوق الاقتراع، ولا ينتهي عند تشكيل الحكومات، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، عند السؤال الأول: ما هي المشكلة؟

قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة السؤال الذي يحدد كل ما يليه. فمن ينجح في تعريف المشكلة، ينجح غالبًا في توجيه الناس نحو الحل الذي يريده، لأن الحل ليس إلا النتيجة المنطقية للطريقة التي صيغ بها تعريف المشكلة.

وهنا تكمن فكرة هندسة الوعي.

ليست هندسة الوعي اختلاقًا للأكاذيب، ولا غسلًا مباشرًا للأدمغة، بل هي إعادة تشكيل الإطار الذي يفهم الإنسان من خلاله الواقع. فقد تبقى الوقائع كما هي، لكن ترتيبها في العقل يتغير، فتتغير الأولويات، ثم تتغير الخيارات السياسية التي تبدو بديهية أو واقعية.

البنية والسيطرة على التفسير

إن أي نظام سياسي لا يحافظ على نفسه بالقوة وحدها. القوة تستطيع فرض الطاعة، لكنها لا تستطيع إنتاج القناعة. أما عندما ينجح النظام في جعل خصومه ينظرون إلى العالم من خلال المفاهيم التي رسم حدودها هو، فإنه يكون قد حقق انتصارًا أعمق من أي انتصار عسكري. فالهيمنة تبلغ ذروتها عندما تصبح حدود الممكن السياسي هي الحدود التي رسمتها المنظومة القائمة، وحينئذٍ لا يعود المجتمع يفكر في كيفية تغيير هذه المنظومة، بل في كيفية التحرك داخلها بأفضل صورة ممكنة.

ولهذا لم تعد الهيمنة الحديثة تعتمد على السيطرة على الأرض فقط، بل على السيطرة على الوعي الذي يفسر الواقع .

فعندما يكون السؤال: ما طبيعة المنظومة السياسية التي تنتج هذا الواقع؟ يكون التفكير متجهًا نحو مساءلة هذه المنظومة والسعي إلى تغييرها.

أما عندما يصبح السؤال: كيف نستطيع أن نحصل على حقوقنا داخل هذه المنظومة؟ فإن مركز الثقل ينتقل من تغيير الواقع إلى التكيف معه.

وهنا لا تتغير الوسائل فقط، بل يتغير الهدف ذاته . فالسياسة ليست مجرد إدارة للمصالح اليومية، بل هي أيضًا صراع حول تعريف التناقض الرئيسي في الأزمات. وعندما يُعاد تعريف هذا التناقض، يُعاد ترتيب كل شيء: الأولويات، والتحالفات، واللغة، وحتى معنى النجاح السياسي.

نهج منصور عباس والموحدة: قراءة في إعادة التشكيل

ومن هذا المنطلق أقرأ الخطاب السياسي الذي يتبناه منصور عباس والقائمة العربية الموحدة.

ولا أكتب هنا لتقييم شخصه، ولا للتشكيك في صدقه أو إخلاصه، فهذه أمور لا يمكن لأحد أن يحتكر الحكم عليها. كما أنني لا أنكر أن أي سياسي قد يسعى، من وجهة نظره، إلى تحسين حياة جمهوره وتحقيق مكاسب ملموسة له. ولن أدعي أن مشروعه مخطط أو أنه مدفوع ليقوم به.

لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا، بل بالنتائج التي تتركها في الوعي الجمعي.

وفي تقديري، لا تكمن خطورة هذا النهج فيما يحققه اليوم من مكاسب أو إخفاقات، بل فيما قد يعيد إنتاجه غدًا من مفاهيم جديدة تحكم طريقة فهم القضية الفلسطينية في الداخل. إنني لا أتعامل مع هذا الخطاب بوصفه حالة فردية، بل بوصفه تعبيرًا عن تحول أعمق في الثقافة السياسية. فالتحولات التاريخية الكبرى لا تبدأ عادة بتبدل الأشخاص، وإنما بإعادة إنتاج المفاهيم. وحين يتغير تعريف التناقض الرئيسي، تتغير تلقائيًا طبيعة النضال، وأدواته، وحدود الممكن فيه.

لقد نقل هذا الخطاب مركز النقاش من سؤال يتعلق بطبيعة الدولة وسياساتها وبنيتها الأيديولوجية والتشريعية، إلى سؤال يتعلق بمدى نجاح المواطنين العرب في بناء شراكة مع الحكومات الإسرائيلية (التي شرعنت التمييز والفوقية اليهودية ) وتحسين شروط اندماجهم داخلها.

ويتجلى هذا التحول بوضوح في التعاطي مع المفاهيم التأسيسية للصراع؛ حيث يجري الانتقال من التحدي المباشر لجريمة التمييز البنيوي وقوانينها الأساسية — كـ "قانون القومية" الذي يكرّس التفوق الأيديولوجي — إلى قبول هذه البنية كمعطى ثابت، والتفاوض حول تحسين مكانة المواطن العربي تحت سقفها، وهو ما تجسد في مقولة عباس الشهيرة التي صيغ بها هذا النهج: "إن الدولة ولدت كدولة يهودية وستبقى كذلك، والسؤال هو ما هو وضع المواطن العربي فيها".

وبذلك، لم يعد التناقض الرئيسي مع البنية التي تنتج التمييز والاقصاء، بل أصبح ضعف القدرة على التأثير والاندماج داخل تلك البنية.

وهنا أرى جوهر عملية هندسة الوعي.

الميزانيات مقابل الهوية: مقايضة الحق بالامتياز

إن أخطر ما في هذه العملية أنها لا تطلب من المجتمع التخلي عن هويته أو قضيته، بل تطلب منه فقط إعادة ترتيب أولوياته. فهي لا تقول إن القضية الوطنية فقدت مشروعيتها، بل تقترح أن الطريق إليها يمر أولًا عبر التكيف مع البنية القائمة، لا عبر مساءلتها أو تغييرها.

ومع مرور الزمن، يتحول هذا التكيف من وسيلة إلى غاية، ومن خيار سياسي إلى إطار ذهني، حتى يصبح التفكير خارج هذا الإطار نوعًا من المثالية أو المغامرة غير الواقعية. وعند هذه اللحظة تكون هندسة الوعي قد أنجزت مهمتها، لأنها لم تغيّر المواقف فحسب، بل غيّرت المعايير التي تُقاس بها المواقف.

ويتجسد هذا المسار التطبيقي عند اختزال النضال السياسي في تحصيل خطط الميزانيات والتطوير (مثل الخطة الخمسية/الخطة 550)، حيث يتم التسليم المسبق بتحييد الملفات الوطنية الكبرى والصمت عن السياسات السيادية والأمنية المتعلقة بالقدس أو الاستيطان، كشرط لازم لضمان البقاء في الائتلاف الحكومي أو التأثير فيه.

وهنا تبرز المقايضة الضمنية: تحويل "الحق المكفول للمواطنة" إلى "منحة مشروطة بالسلوك السياسي".

ويظهر ذلك جليًا في التعاطي مع الملفات الحارقة كملف النقب؛ إذ يُقدَّم "الاعتراف الإداري" الجزئي ببعض القرى غير المعترف بها (مثل خشم زنة، عبدة، ورخمة) كإنجاز تاريخي، في الوقت الذي يتم فيه التغاضي عن تجريد هذه القرى من ملكيتها التاريخية للأرض، والاستمرار في مخططات المصادرة والتجريف الحكومي تحت غطاء الشراكة والتأثير. فالمشكلة وفق هذا المنطق لم تعد مصادرة الأرض وتغيير معالمها القومية، بل مدى القدرة على الحصول على مخطط تنظيمي جزئي لخدمات المأوى.

فالوعي لا يتغير دفعة واحدة، بل يتغير عندما تتغير الأولويات، وعندما تصبح المطالب المدنية اليومية هي العدسة الوحيدة التي تُقرأ من خلالها القضية بأكملها، ويتراجع الحديث عن البنية القانونية والسياسية للدولة إلى الخلف. وعندما يحدث ذلك، لا يعود النقاش يدور حول تغيير ميزان القوى، بل حول تحسين شروط التكيف معه.

بين الواقعية السياسية وإعادة تعريف الصراع

وقد يقول قائل إن هذا مجرد تطور طبيعي في الفكر السياسي ورؤية واقعية تحاكي احتياجات الناس.

لكنني أرى أن الفرق كبير بين الواقعية السياسية وبين إعادة تعريف الصراع نفسه.

فالواقعية تعني اختيار الوسائل الأنسب لتحقيق الهدف دون المساومة على الجوهر. أما عندما يُعاد تعريف الهدف تدريجيًا بما ينسجم مع حدود الواقع القائم، فإننا لا نكون أمام تغيير في الوسائل، بل أمام انتقال إلى تصور سياسي مختلف تمامًا.

وهنا يكمن الفارق بين من ينظر إلى المنظومة السياسية باعتبارها سببًا للمشكلة، وبين من ينظر إليها باعتبارها معطى ثابتًا ينبغي البحث عن أفضل موقع داخله. ففي الحالة الأولى يصبح الإصلاح الجزئي والميزانية الخدمية وسيلة في إطار مشروع تغيير ومواجهة أوسع، أما في الحالة الثانية فقد يتحول الإصلاح الجزئي إلى غاية بذاته، ويغدو الحفاظ على إمكانية العمل والتواجد داخل المنظومة أهم من مساءلة المنظومة نفسها.

ولذلك لا أعتقد أن القضية تتعلق بمنصور عباس كشخص، بقدر ما تتعلق بالخطاب الذي يمثله. فالأشخاص يرحلون، أما الأفكار فتبقى. والأفكار، عندما تستقر في وعي الأجيال الجديدة، تصبح جزءًا من الثقافة السياسية للمجتمع، وتعيد إنتاج نفسها حتى بعد غياب أصحابها.

وللمفارقة فان صاحب هذا الخطاب يدعي أنه يسعى إلى تحسين شروط حياة الناس وتقليل أضرار التمييز، بينما في الحقيقة يؤدي الخطاب نفسه، على المدى البعيد، إلى ترسيخ قناعة لدى الأقلية الفلسطينية في اسرائيل بأن الطريق الوحيد لنيل الحقوق يتطلب التنازل عن روايتها الوطنية، والتكيف التام مع السقف الذي تفرضه المؤسسة الحاكمة.

الجذور التاريخية: المنطق السياسي يكرر نفسه

والجدل حول "الخدمات مقابل خفض السقف السياسي" ليس جديدًا في تاريخنا.

ففي سنوات قيام دولة إسرائيل، وتحديداً أثناء فترة الحكم العسكري (1948–1966)، رعت المؤسسة الحاكمة ما يُعرف بـ "القوائم العربية الملحقة" بحزب "مباي" (مثل قائمة الناصرة العربية أو قائمة الزراعة والتطوير). وكان المنطق السياسي لتلك القوائم يقوم بالأساس على أن القرب من السلطة واستجداء "المكرمات الخدمية" وتسهيلات الحركة والرخص، هو الطريق الوحيد والأنجع لتحسين أوضاع المواطنين العرب.




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت