X أغلق
X أغلق

تواصل معنا عبر الفيسبوك
حالة الطقس
عبلين 27º - 14º
طبريا 28º - 12º
النقب 30º - 10º
الناصرة 28º - 14º
القدس 27º - 5º
حيفا 27º - 14º
تل ابيب 26º - 12º
بئر السبع 30º - 12º
ايلات 32º - 12º
مواقع صديقة
أراء حرة
اضف تعقيب
20/08/2026 - 11:09:56 pm
ماذا فعلت اللغة العربية بمجتمع الثكنة الإسرائيلي؟

ماذا فعلت اللغة العربية بمجتمع الثكنة الإسرائيلي؟

بقلم: مرزوق الحلبي

20 أغسطس 2026

ضجّت الدولة العبريّة من حوالي أسبوعيْن بسبب "فرية" دمويّة أطلقتها عائلة مجنّد كان يُعالَج في مشفى إسرائيليّ أفاق من هلوسات البنج وسط طاقم طبيّ عربيّ يتحدث بالعربيّة عن حالته. لفّق الجندي وشقيقه من شدّة الخوف، أو من المفارقة، رواية هي "فرية" بحقّ الطاقم الذي وُجّهت إليه تُهمة الإساءة إلى المجنّد وتهديد حياته. وتجنّد الإعلام الإسرائيليّ كلّه تقريبًا في دحرجة "الفرية" إلى أن صارت جبلًا و"نفسيّة" و"عقليّة" و"مزاج" لمجتمع الثكنة الإسرائيليّ الذي فاض على ضفّتيه بحديث الكراهيّة والعنصريّة. حدث هو حالة دراسيّة يُمكننا من خلالها أن نرى معمار النفسيّة الجماعيّة لمجتمع الثكنة وإلى مكانة اللغة ووظائفها في حياة كلّ مجتمع وفي حالة المواجهة تحديدًا.

إن انقضاض الإعلام الإسرائيليّ على "الفرية" واستثمار ما حصل والخطاب الذي رافق الحدث سار في مستويين متوازيين متقاطعين. الأوّل ـ انفلات المزيد من المشاعر العنصريّة الدفينة حدّ الحديث عن ضرورة تهويد المهن الطبّيّة مقابل حقيقة واقعة أن نحو 40% من الطواقم الطبيّة في مشافي إسرائيل هي عربيّة فلسطينيّة. لقد تظاهر المتحدثون من الإسرائيليين اليهود بأنّهم "تفاجأوا" من وجود الطاقم العربيّ في رعاية المجنّد لكننا على اعتقاد بأن الأمر ليس كذلك، لأن عشرات آلاف المرضى من الإسرائيليين يتعالجون يوميًّا عند آلاف الأطباء العرب وفي عياداتهم. "المفاجأة" قائمة في مستوى آخر، وهو في أن "اللغة الإسرائيليّة" اجتهدت في السنوات الأخيرة إلى محو العرب الفلسطينيّين من الوعي العام والذهنيّة الجماعيّة لمجتمع الثكنة. بينما هم في الواقع "أحياء يُرزقون" ويُعالجون المرضى بصرف النظر عن هويّاتهم ويتحدّثون بلغتهم!

لقد جاءت الحادثة لتكشف عن أن مجتمع الثكنة الإسرائيلي إنّما استكان إلى لغته وممارساته وسياساته في تغييب العرب الفلسطينيّين عن مكانهم وعن اللغة وعن الوعي واللاوعي الجمعي حدّ الإبادة في غزّة وتدمير المكان، أيضًا وجعله رُكامًا. هناك على الأقلّ نيّة مُعلنة في ألّا يكون في فلسطين سوى الإسرائيليّين اليهود. أو هكذا يُحاول المجتمع السياسيّ الصهيونيّ أن يصوّر الواقع. وقد دأب على إسقاط شرعيّة العرب الفلسطينيّين السياسيّة وشرعيّتهم الإنسانيّة، أيضًا. وعندما صادفهم المجنّد وعائلته في المشفى، حاضرين بمهنيّتهم ووظائفهم ولغتهم، تملكهما الخوف من "الاكتشاف" وكانوا مثل إسرائيليّين آخرين ذهبوا مع الرغبات والنوايا والسياسة واللغة العبريّة واعتقدوا أن لا عرب في المدى ولا لغة عربيّة في المشفى حول سرير المجنّد! بمعنى أن الواقع على الأرض قوّض البُنية الذهنيّة لمجتمع الثكنة وظهرت اللغة العربيّة وأصحابها في مكان اعتقدوهما غير موجوديْن. وهو ظهور في مكان حسّاس بوجه خاص، المكان الذي يكونون فيه مسؤولين بشكل مُطلق عن حياة المجنّد، وهنا عن إشفائه من إصابة كانت من نصيبه جرّاء أعمال قتاليّة شارك فيها ضد أناس من "لُغتهم"!

في مستوى آخر من التحليل يُمكننا أن نعزو إلى المجنّد وعائلته أنهما لا يُصدّقان أن طبيبًا أو ممرّضًّا عربيًّيْن، يُمكن أن يعالجا المجنّد الإسرائيليّ بإخلاص أو باللغة العربيّة. فهو يفترض أن المكان يُدار بالعبريّة وكذلك الطبّ والعلاج وأن الأخيريْن لا يُمكن أن يحصلا بلغة عربيّة مهنيّة مسؤولة. فالعربي والعربيّة لدى المجنّد وذويه مرتبطان بالعدوّ الذي ينبغي إبادته كما في غزّة أو لبنان. أقول هذا اعتمادًا إلى حادثة وقعت لي شخصيًّا. فقد عملت محاضرًا في إحدى المؤسّسات وكان الطلبة جمهور من المستشارين العاملين مع منظّمات المجتمع المدني. في إحدى المرّات اعترف إسرائيليّ بينهم بأنه كلّما سمعني يتملّكه شعوران. الأوّل، أن تدخّلاتي كمحاضر ومرجعيّة مهنيّة تمنحه شعورا بأنه أدرك وتنوّر. والثاني، أن هذا الشعور بالذات ينغلق عليه فيدخل في المحاق (هذه ترجمة تقريبيّة لكلماته). قُلت له في حديث جانبيّ إنني سأحلّ له هذه "الورطة" بأن أصارحه بما أعتقده. قدّرت أن تحليلاتي كانت تُضيء قلبه وعقله. وقدّرت، أيضًا، أن انسداد الأفق أمامه نابع من كون الإضاءة والتنوير يأتيان من عربيّ فلسطينيّ بالذات! إذ كيف يُمكن للفلسطيني أن يُنتج في واقع الهيمنة والتفوّق اليهودي "ضوءًا" و"حكمة" و"إدراكًا"؟ اعترف لي أن هذه هي النُقطة التي تحاصره وتؤزّمه. ووعد أن يُعالج الأمر بينه وبين نفسه.


"الطاقم العربيّ ولغته العربيّة في الحالة التي نحن بصددها كانا هناك دليلًا على فشل عمليّة محو العربي الفلسطيني من اللغة العبرية ومن الحيّز والذهنية في مجتمع الثكنة الإسرائيلي"
 

اللغة العربيّة في مفهوم مجتمع الثكنة لا تملك أي قُدرة وبالذات القدرة العلاجيّة (أو التنويريّة). والعرب عمومًا ليسوا مهنيّين ولا يُمكنهم أن يكونوا ذوي كفاءات. هكذا هم في وعي هذا المجتمع وأفراده!

أمّا في المستوى الثاني من التحليل المتّصل باللغة ووظائفها، فإنها حالة دراسيّة مُثلى لإدراك أهميّة اللغة في السياق الاستعماريّ كما في فلسطين الآن. فهي ليست أداة اتّصال كما نرى بل تصير حيّزا حيث تحضر وعالما وسياقًا. وهو ما أخاف المجنّد وبعث على تطوير الفرية ومنحها أجنحة وصلت إلى رام الله. إذ نُقل عن المجنّد قوله إنه حسب نفسه في مشفى في رام الله (مقولة ترتبط بالقسم الأوّل من التحليل القائل إن هناك ذهنيّة أو الأصحّ غشًّا ذهنيًّا مفاده أن لا عرب فلسطينيين في حيفا)، وهي "حالة" تستدعي الخوف بسبب العداء التام الذي يفرضه مجتمع الثكنة على الزمان وعلى المكان وعلى المدى. اللغة العربيّة لم تعد في سياق الحالة مجرّد لغة أم للطاقم الطبّيّ ولا لُغة الطبّ والعلاج والشفاء بل صارت حيّزًا وسياقًا وجغرافيا وسيطرة. وهو ما أرعب المجنّد وأقلق ذويه وأطلق العنان للفرية كما حصلت. فالعرب لا يزالون هنا والآن وكذلك لغتهم!  ليس هذا فحسب، بل هم الممسكون بالمكان وبالعلاج والطبّ والزمان وإن كانت "السيادة" عبريّة أو بالعبريّة. أحسّ المجنّد بالغربة و"الخطر" لأنّه كان في سياق عربيّ. ففي سياق كهذا من الطبيعيّ أن يشعر بفقدان السيطرة على المكان وربّما على نفسه أيضًا، وبأن السيطرة انتقلت إلى أيدي العرب الفلسطينيّين.

تقودني هذه النُقطة إلى واقعة أخرى حصلت لي في إحدى المؤسّسات المشتركة لإسرائيليّين يهود وفلسطينيّين. كنتُ معتادا أن أعدّ القهوة العربيّة في ركوة كبيرة فيأتي الموظّفون إلى غرفتي صباحًا. نحتسي القهوة ونضحك قليلًا ونتبادل الأحاديث قبل أن يبدأ يوم عملنا. اشتكت زميلة إسرائيليّة يهوديّة في يوم تأمّلي من أن أصعب لحظات دوامها في المؤسّسة هو لحظة كنتُ أعدّ فيها القهوة ويجتمع الموظفون من القوميتيْن في غرفتي. كان ردّي أني كتبت مقالًا في مجلّة مهنيّة أقرأ فيه الحادثة بعيني وتحليلاتي. خلصت فيه إلى أن فرضيّات زميلتي بالنسبة للمؤسّسة وموقعها وموقعي كانت تنهار عندما كنتُ أنا الفلسطينيّ محور الساعة الصباحيّة وهي التي تعتقد أن المؤسّسة ينبغي أن تدار بالعبرية. وكنتُ أصرّ على أن أتحدّث مع الزملاء من الثقافتيْن بالعربيّة. وخلصت، أيضًا، إلى أن استعمال اللغة العربيّة في حيّز المؤسّسة أفقدها السيطرة مرّتين. الأولى، لأنها لم تفهم نكات الصباح وأحاديثه، وثانيًا، لأنّها حلّت محلّ اللغة العبريّة كلغة المؤسّسة ـ ولو في تلك الساعة فقط! بقي أن أذكر أن محرّرة المجلّة المهنيّة لم تصدّق الحادثة وشكّكت في مقالي المسوّغ نظريًّا ومنهجيًّا ولم تقتنع إلّا بعد جهد جديد وبعد أن جزمت أنني أراهن على كلّ سيرتي المهنيّة في مقابل النشر!

الطاقم العربيّ ولغته العربيّة في الحالة التي نحن بصددها كانا هناك دليلًا على فشل عمليّة محو العربي الفلسطيني من اللغة العبرية ومن الحيز والذهنية في مجتمع الثكنة. وكانت لغتهم ـ لا العبرية ـ هي لغة الطبّ والعلاج والمهنة. وكانت العربيّة هناك ـ بدلًا من العبرية ـ سياقًا وحيّزا وعالمًا وفضاء يُحاربه المجنّد ويستعديه هو ودولته. من هنا أتت الفرية ومن هنا أتى عصاب مجتمع الثكنة الذي يعتقد أن لا شيء موجودًا خارج "وعيه" و"لغته"!.




Copyright © elgzal.com 2011-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع الغزال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت