تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
من دولة يهودية إلى دولة اليهود.... «نعم، نُهوِّد!».
بقلم: د. سمير الخطيب
حين يصبح الصوت آخرَ دروع البقاء
أعلن بتسلئيل سموتريتش بالأمس خطته لتهويد النقب والجليل تحت شعار «نعم، نُهوِّد!»: استقدام مليون يهودي، وإقامة أربعين بلدة جديدة وعشرات المزارع الاستيطانية، وتوسيع البلدات اليهودية القائمة، وإخضاع الأرض والتخطيط لمشروعه في الحكومة المقبلة. إنها ليست خطة لتطوير منطقتين تعانيان التهميش، بل إعلان سياسي وديمغرافي يستهدف إعادة تشكيلهما على حساب وجودنا العربي الفلسطيني ومستقبل أبنائنا فيهما.
لم يقل سموتريتش إن حكومته ستطوّر النقب والجليل لجميع المواطنين، ولا إنها ستبني مساكن لمن يحتاج إليها، ولا إنها ستعالج أزمة التخطيط التي تخنق القرى والمدن العربية منذ عقود. سمّى خطته باسمها الحقيقي، بلا مساحيق لغوية ولا حياء سياسي: «نعم، نُهوِّد!». ثم أضاف، بوضوح لا يحتاج إلى مترجم: «سندوس الإجراءات والناس» كي تقوم المزارع الاستيطانية.
أحيانًا تختصر جملة واحدة مرحلة تاريخية كاملة. «سندوس الناس» ليست انفعالًا عابرًا صدر عن وزير متطرف، بل هي تعريف مكثف للناس الذين تراهم هذه الحكومة عائقًا ينبغي إزاحته، وللدولة التي تريد بناءها فوقهم. فالخطة التي أعلنها سموتريتش في السابع والعشرين من آب لا تتحدث عن أربعين بلدة جديدة وعشرات المزارع واستقدام مليون يهودي إلى النقب والجليل فحسب؛ إنها تطالب أيضًا بإخضاع سلطة أراضي إسرائيل ودائرة التخطيط لسيطرته في الحكومة المقبلة، وتغيير القوانين، وإزاحة من يصفهم بأنهم «معادون للصهيونية وما بعد صهيونيين» من مواقع القرار. بل إن الخطة، وفق ما نشرته وسائل إعلام عبرية مؤيدة لها، تتضمن العمل على إلغاء مخططات أُقرت في السنوات الأخيرة للبلدات العربية، لأنها ــ بحسب واضعيها ــ استولت على احتياطيات أرض تهدد إمكان «التطوير والاستيطان اليهودي».
إذن لسنا أمام مشروع إسكان، بل أمام هندسة ديمغرافية معلنة؛ ولسنا أمام منافسة متساوية على الأرض، بل أمام سلطة تستعمل القانون والميزانية والتخطيط لتوسيع مكان شعب وتضييق مكان شعب آخر. الأرض نفسها التي تصبح «احتياطيًا استراتيجيًا» حين تُخصَّص لبلدة يهودية، تصبح «خطرًا ديمغرافيًا» حين تحتاج إليها قرية عربية كي يتزوج أبناؤها ويبقوا فيها.
كتب في وثيقة الاستقلال ان إسرائيل «دولة يهودية وديمقراطية». وكانت هذا التركيبة، على تناقضها البنيوي، تترك نافذة لغوية يمكن عبرها مطالبة الدولة بالمساواة بين مواطنيها. ثم جاء قانون القومية عام 2018 ليحسم التراتبية دستوريًا: حق تقرير المصير القومي في الدولة «خاص بالشعب اليهودي»، والاستيطان اليهودي «قيمة قومية» تعمل الدولة على تشجيعها ودعمها.
أما سموتريتش فينقلنا خطوة أبعد: من «دولة يهودية» تزعم أنها دولة جميع مواطنيها في المستوى المدني، إلى «دولة اليهود» التي تُعامل اليهودي في نيويورك أو باريس بوصفه صاحب حق في أرض الجليل والنقب، بينما يُعامل العربي المولود في كفركنا أو قلنسوة أو أم الحيران بوصفه فائضًا ديمغرافيًا يعيق التخطيط. اليهودي الذي لم ير هذه البلاد قط يُعرض عليه البيت والأرض والإعفاء والحافز؛ وصاحب البلاد الذي ورث مفتاح بيته واسم حقله عن جده يُحاصَر بالخريطة والمسطرة وأمر الهدم.
ليس الفرق بين التعبيرين لعبة لغوية. «الدولة اليهودية» كانت صيغة هيمنة قومية تحاول أن تتعايش شكليًا مع مواطنة ناقصة للعرب. أما «دولة اليهود» فهي مشروع ملكية حصرية: الدولة والحيز والأرض والقرار لليهود، والعربي فيها مقيم بشروط، حتى لو حمل بطاقة هوية زرقاء، ودفع الضرائب، وبنى المستشفيات والجامعات والاقتصاد بعمله وعلمه.
حين نسمع كلمة الترانسفير نتخيل شاحنات على الحدود وجنودًا يطردون الناس من بيوتهم. وهذا هو شكله الأكثر وحشية، لكنه ليس شكله الوحيد، ولا يبدأ عادة من هناك. يبدأ حين تُغلق أمام قرية إمكانات التوسع، ثم يُقال لشبابها: لا مكان لكم. يبدأ حين يُهدم البيت ولا تُمنح رخصة لبناء غيره. يبدأ حين تُحاصر المراعي، وتقام المزارع الاستيطانية في «مواقع استراتيجية»، وتُسحب الميزانيات، وتُجرَّم الهوية، ويصبح رفع العلم أو كتابة منشور سببًا للاعتقال أو الفصل.
هناك تهجير بالقوة، وهناك أيضًا تهجير بصناعة الاستحالة: أن تجعل بقاء الإنسان في وطنه أكثر كلفة كل يوم، ثم تسمي خروجه «اختيارًا». أن تحوّل الفقر والجريمة وانعدام الأرض والمسكن والعمل إلى ضغط دائم، ثم تعرض الهجرة بوصفها خلاصًا فرديًا. الترانسفير الحديث قد يرتدي بدلة موظف تخطيط، ويحمل ملفًا قانونيًا، ويتحدث بلغة «إنفاذ القانون» و«توزيع السكان» و«تعزيز الأطراف».
لا أقول إن خطة معلنة لطرد جماعي لعرب الداخل ستُنفَّذ غدًا؛ فهذا ادعاء لا تسمح به الوقائع المتاحة. لكن واجبنا أن نقرأ الاتجاه قبل أن يبلغ نهايته. من كتب «خطة الحسم» على أساس نفي وجود مجموعتين قوميتين في هذه البلاد، ومن دعا إلى تشجيع هجرة الفلسطينيين من غزة والضفة، (وللأسف تم انجاز الكثير من خططه) ومن ينقل اليوم «الثورة» التي صنعها في الضفة إلى النقب والجليل، لا يترك لنا ترف التعامل مع كل خطوة كحادثة منفصلة. الاحتمال المستقبلي يبدأ سياسةً صغيرة، ثم يصبح قانونًا، ثم مؤسسةً، ثم واقعًا يُقال لنا إنه غير قابل للتغيير.
تخيّلوا المشهد بعد سنوات إذا امتلك هذا المشروع السلطة والوقت: أحزمة من البلدات والمزارع تقطع التواصل بين البلدات العربية؛ مخططات هيكلية ملغاة أو مجمدة؛ قرى في النقب تحت ضغط الهدم والترحيل المتكرر؛ شباب عرب يغادرون بلداتهم قسرًا بحثًا عن السكن؛ مجالس محلية بلا أرض ولا موارد؛ وقانون انتخاب أو قرار قضائي يضيّق أكثر فأكثر إمكان التمثيل السياسي. عندها لن يحتاج أحد إلى إعلان «ترانسفير» رسمي. سيكون الاقتلاع قد جرى على دفعات، بيتًا بعد بيت، ودونمًا بعد دونم، وعائلة بعد عائلة.
لا محكمة ستحمينا وحدها، ولا مقعد في الكنيست يعوّض غياب التنظيم الشعبي، ولا ميزانية تُغني عن الهوية والكرامة والحق الجماعي. نحن بحاجة إلى بناء وعي جمعي، ووحدة وطنية، وخطة عمل دولية؛ لأن شعبًا لا ينظّم قوته خارج مؤسسات الدولة سيبقى رهينة لمن يسيطر على تلك المؤسسات.
لكن ذلك لا يعني التخلي عن الكنيست. الرهان عليها وحدها وهم؛ أما تركها للعنصريين فليس تحررًا من الوهم، بل تسليم لإحدى ساحات المعركة من دون قتال. من الخطأ أن نطلب من الصوت أكثر مما يستطيع، ومن الأخطر أن نتنازل عما يستطيع فعله فعلًا.
التمثيل البرلماني لا يلغي قانون القومية بمفرده، لكنه يستطيع منع أغلبية أشد خطرًا، وتعطيل قانون، وكشف مخطط، ورفع حصانة الصمت عن جريمة، وانتزاع موارد، وإيصال قضيتنا إلى المنابر المحلية والدولية. وفي نظام تتقرر فيه الحكومات والفوارق بين الكتل بمقاعد قليلة، قد تكون زيادة التصويت العربي هي الفاصل بين حكومة تستطيع تنفيذ خطة سموتريتش بلا كوابح، وبين واقع سياسي يعرقلها ويعيقها، أو ربما يمنعها.
الصوت ليس هدفا بل وسيلة، كي لا نجعل حقوقنا المدنية مكافأة على خفض سقفنا الوطني، والعضوية في ائتلاف ليست مقياس التأثير الوحيد. نريد تمثيلًا عربيًا وطنيًا واسعًا، موحدًا على برنامج واضح وخطوط حمراء ومحاسبة، يرى في الكنيست ساحة من ساحات النضال لا سقفًا له، ويجمع بين العمل البرلماني والتنظيم الشعبي والاحتجاج وبناء المؤسسات والتواصل الدولي.
الممتنع عن التصويت لا يعاقب السياسي الذي خيّب أمله بقدر ما يقلل الوزن السياسي لمجتمعه كله. قد تكون المقاطعة صرخة مفهومة أخلاقيًا، لكنها في الحساب الانتخابي لا تبقى صرخة؛ تتحول إلى مقعد إضافي لمن حضر. وحين يصوّت جمهور اليمين المتطرف بكثافة، يصبح غيابنا مضاعف الأثر: نخسر صوتنا، ويكبر وزن صوت خصمنا.
سموتريتش يفهم ذلك جيدًا. لذلك لا يقدم خطته بوصفها حلمًا بعيدًا، بل بوصفها شرطًا في مفاوضات الحكومة المقبلة. يريد أصواتًا تمنحه سلطة الأراضي والتخطيط، كي يغيّر القانون ويعيّن الرجال وينفذ المشروع. ومن العبث أن نرد على مشروع انتخابي يطلب أدوات الدولة بالانسحاب من الانتخابات وترك الأدوات له.
ليس المطلوب تخويف الناس كي يصوتوا، بل قول الحقيقة لهم: حين تصبح الأرض موضوع الانتخابات، والبيت موضوع الانتخابات، واللغة والهوية وحرية التعبير موضوع الانتخابات، فإن ورقة الاقتراع لا تعود ورقة خدمات؛ تصبح جزءًا من الدفاع عن الوجود. ومن يملك مشروعًا لتهويد الجليل والنقب يراهن أيضًا على يأسنا، وعلى خصومات أحزابنا، وعلى تحويل الإحباط المشروع إلى غياب مجاني.
ما نحتاجه قبل فوات الأوان
نحتاج إلى ما هو أكبر من حملة انتخابية موسمية: ميثاق وطني ملزم، قائمة مشتركة ذات برنامج سياسي، رفع نسبة التصويت إلى مستوى يليق بحجم الخطر، ولجان محلية في كل بلدة تصل إلى المترددين والمقاطعين بلغة صادقة وطنية. ونحتاج، بالتوازي، إلى مؤتمر وطني يضع خطة لحماية الأرض والمسكن والحريات، وصندوق للدفاع القانوني والإسناد المجتمعي، ومرصد دائم للتخطيط والمصادرات، وحملة دولية تشرح أن ما يجري ليس «تطويرًا للأطراف»، بل إعادة هندسة للمكان على أساس قومي.
وحدتنا لا تعني إلغاء الخلاف، بل الاتفاق على أن بقاءنا وحقوقنا الجماعية فوق المنافسة الحزبية. والتمثيل لا يعني الذوبان في الدولة، بل دخول مؤسساتها بظهر وطني مستقيم، لا للتوسل على فتات الحقوق، وإنما لمنع الضرر وانتزاع الممكن وكشف المشروع والدفاع عن شعبنا.
سموتريتش قال ما يريد: مليون يهودي إضافي، أربعون بلدة، عشرات المزارع، وسيطرة على الأرض والتخطيط، ولو استلزم الأمر «دوس الناس والإجراءات». أما جوابنا فلا يجوز أن يكون الخوف ولا اليأس ولا الانكفاء.
هذه البلاد ليست أرضًا فارغة تنتظر من يملأها. الجليل ليس مشروعًا ديمغرافيًا، والنقب ليس مخزن أرض لدولة اليهود، ونحن لسنا عائقًا في مخطط أحد. نحن أهل البلاد، وبقاؤنا فيها حق لا يحتاج إلى إذن.
الصوت وحده لن يحمينا، لكن التفريط به يجرّدنا من درع نملكه بأيدينا. لذلك، في هذه الانتخابات تحديدًا، رفع نسبة التصويت ليس شأنًا حزبيًا ولا تمرينًا ديمقراطيًا عابرًا. إنه فعل بقاء، وخط دفاع أخير، ورسالة تقول لمن يخطط لدوس الناس: نحن هنا، وسنستعمل كل مساحة نملكها كي لا تمروا فوقنا.
