تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
في اليوم العالمي للصحة النفسية.. كم إنسانا يبتسم أمامك، بينما يخوض حربا لا تعرف عنها شيئا؟
بقلم: خالد رغدان أخصائي نفسي ومختص في علاج الإدمان
ليس كل من يضحك بخير وليس كل من يواصل حياته قادرا على الاحتمال وليس كل من يصمت قد تجاوز ألمه، هناك من يستيقظ كل صباح ليؤدي واجباته ويذهب إلى عمله ويعتني بأسرته ويجيب عن أسئلة الآخرين بكلمة «أنا بخير»، ثم يعود في نهاية اليوم منهكا من معركة داخلية لم يجرؤ على روايتها لأحد وهناك من لا ينقصه الإيمان ولا الإرادة ولا الرغبة في الحياة؛ لكنه استنزف سنوات في محاولة التماسك، حتى أصبح عاجزا عن تفسير ما يحدث داخله.
في العاشر من أكتوبر، اليوم العالمي للصحة النفسية، لسنا بحاجة إلى مزيد من العبارات الجميلة عن السعادة بقدر حاجتنا إلى مواجهة الحقيقة: هناك آلام نفسية كثيرة لا يراها المجتمع ومعاناة صامتة قد تتفاقم لأن أصحابها يخشون أن يتحدثوا عنها، المشكلة ليست دائما في الألم… بل في الطريقة التي نتعامل بها معه، في مجتمعاتنا العربية، ما زال بعض الناس ينظرون إلى المعاناة النفسية باعتبارها ضعفًا في الشخصية، أو نقصًا في الإيمان، أو مبالغة في الحساسية، أو رفاهية لا تليق بمن يواجهون ظروف الحياة الصعبة.
وقد يسمع الإنسان الذي يعاني من القلق: «لا تفكر كثيرًا» ويسمع المصاب بالاكتئاب: «انظر إلى من هم أسوأ منك» ويُقال لمن أنهكه الضغط النفسي: «أنت تبالغ، كل الناس لديها مشكلات»، أما الذي يحاول طلب المساعدة، فقد يخشى أن يُوصم بالجنون، أو أن تتغير نظرة أسرته إليه، أو أن تصبح معاناته مادة للحديث بين الناس.
وهكذا، بدلا من أن يجد الإنسان يدا تمتد إليه، يجد نفسه مضطرا إلى إخفاء ألمه والدفاع عن مشاعره وإثبات أنه يستحق أن يُفهَم، إن من أخطر ما يمكن أن يفعله المجتمع بالإنسان المتألم أن يجعله يشعر بالخجل من ألمه، ثم يلومه لأنه لم يتعافَ منه.
الصحة النفسية ليست رفاهية… إنها أساس الحياة المتوازنة، الصحة النفسية ليست مجرد غياب الاضطرابات النفسية وليست أن تكون سعيدا طوال الوقت، أو أن تعيش دون حزن أو خوف أو قلق، إنها قدرتنا على التعامل مع ضغوط الحياة وتنظيم مشاعرنا وبناء علاقات صحية واتخاذ القرارات والعمل والتعلّم واستعادة توازننا بعد الأزمات وطلب المساعدة عندما تتجاوز المعاناة قدرتنا على الاحتمال.
والحزن ليس اكتئابا بالضرورة والقلق العابر ليس اضطرابا نفسيا بالضرورة، لكن استمرار المعاناة وتأثيرها في النوم أو العمل أو العلاقات أو القدرة على ممارسة الحياة يستحق الانتباه والتقييم المتخصص، فكما لا ننتظر من الإنسان أن يتجاهل ألمًا جسديا شديدًا حتى يزول وحده، لا ينبغي أن نطالبه بتحمل معاناته النفسية إلى ما لا نهاية.
إن العقل الذي يفكر والقلب الذي يشعر والجسد الذي يتحمل، ليست أجزاء منفصلة عن بعضها في تجربة الإنسان؛ فالضغوط النفسية قد تؤثر في النوم والتركيز والطاقة والصحة الجسدية، كما أن الأمراض الجسدية والظروف المعيشية الصعبة قد تؤثر في حالتنا النفسية ولهذا، فإن الاهتمام بالصحة النفسية ليس ترفًا، بل ضرورة إنسانية وصحية واجتماعية.
ماذا نحتاج أن نفعل، لا أن نقول فقط؟
أولا: أن نتعلم الاستماع دون إصدار الأحكام.
حين يخبرك شخص بأنه متعب نفسيا، لا تسارع إلى مقارنته بالآخرين ولا تحوّل حديثه إلى محاضرة عن الصبر والقوة، استمع إليه واعترف بمشاعره واسأله: «ما الذي يمكنني فعله لمساعدتك؟» قد لا تملك حلا لمشكلته، لكنك تستطيع ألّا تجعلها أثقل عليه.
ثانيا: أن نتوقف عن تمجيد الاستنزاف النفسي.
ليس كل صبر فضيلة إذا كان ثمنه تدمير الإنسان من الداخل وليس كل تحمّل دليل قوة وليس من الضروري أن تواصل العطاء وأنت منهك، أو أن تبقى في علاقة تستنزفك حتى تفقد قدرتك على الحياة، إن وضع الحدود الصحية، والراحة، والتعبير عن المشاعر، وطلب الدعم، ليست علامات ضعف؛ بل مهارات أساسية للحفاظ على التوازن النفسي.
ثالثا: أن نعيد النظر في علاقتنا بأطفالنا.
الطفل الذي يخاف يحتاج إلى الأمان، لا إلى السخرية من خوفه والمراهق الذي ينسحب أو يتغير سلوكه يحتاج إلى من يحاول فهمه، لا إلى من يختزل معاناته في سوء التربية أو قلة الأدب، إن بناء الصحة النفسية يبدأ مبكرًا، حين يشعر الطفل بأن مشاعره مسموعة وأن الخطأ لا يسلبه قيمته وأن طلب المساعدة لا يعرّضه للإهانة.
رابعا: أن نجعل طلب المساعدة النفسية أمرا طبيعيا.
عندما تستمر الأعراض، أو تتكرر، أو تعطل حياة الإنسان وعلاقاته، فإن الاستعانة بأخصائي نفسي مؤهل أو طبيب مختص بحسب الحاجة خطوة مسؤولة وليست وصمة عار والعلاج النفسي ليس مجرد حديث عابر؛ بل قد يكون عملية مهنية منظمة تساعد الإنسان على فهم أنماطه الفكرية والانفعالية والسلوكية، وتطوير مهارات المواجهة، ومعالجة الصعوبات التي تعوق حياته.
كما أن بعض الاضطرابات قد تستفيد من العلاج الدوائي تحت إشراف طبي، وفقًا للتقييم والتشخيص والحاجة الفردية ولا يتعارض طلب العلاج مع الإيمان ولا يلغي دور الأسرة والدعم الاجتماعي والممارسات الروحية التي يجد فيها الإنسان الطمأنينة؛ بل يمكن لهذه الجوانب أن تتكامل في مساندة الإنسان.
خامسا: أن ندرك أن الظروف الصعبة تحتاج إلى دعم، لا إلى مواعظ فقط.
لا يمكننا أن نطالب الإنسان بالهدوء بينما يعيش في خوف دائم، أو أن نطالبه بالتفاؤل دون أن نعترف بوطأة الفقر أو الفقد أو النزوح أو الحروب أو ضغوط العمل والأسرة، فالصحة النفسية تتأثر بالظروف المحيطة، وحمايتها مسؤولية مشتركة بين الفرد والأسرة والمؤسسات التعليمية وأماكن العمل والأنظمة الصحية وصنّاع القرار.
نحن بحاجة إلى خدمات نفسية ميسرة ومؤسسات أكثر تفهما ومدارس تراعي احتياجات الأطفال، وبيئات عمل تحترم الإنسان وخطاب إعلامي يشرح الاضطرابات النفسية بعيدا عن التهويل والتنميط، رسالة إلى كل إنسان يخوض معركته بصمت إذا كنت تمر بمرحلة صعبة، فلا تجعل عجزك عن شرح ما تشعر به دليلا على أنك لا تعاني.
ولست مضطرا إلى انتظار الانهيار حتى تمنح نفسك حق الراحة ولا إلى إثبات أن معاناتك أكبر من معاناة الآخرين حتى تستحق المساعدة، قد لا تستطيع تغيير كل ما يحدث حولك، لكن يمكنك أن تبدأ بخطوة صغيرة: أن تتحدث إلى شخص تثق به، أو أن تطلب مساعدة متخصصة، أو أن تتوقف قليلا عن مطالبة نفسك بأن تكون قويا طوال الوقت.
وإذا لاحظت أن شخصًا قريبا منك يعاني، فلا تفترض أن صمته يعني أنه بخير، اقترب منه بلطف واستمع إليه دون لوم وشجّعه على طلب المساعدة عند الحاجة وإذا عبّر عن رغبته في إيذاء نفسه أو عدم الاستمرار في الحياة، فخذ كلامه على محمل الجد وساعده في الوصول إلى دعم مهني عاجل.
في اليوم العالمي للصحة النفسية.. دعونا نتجاوز الاحتفال بالشعارات إلى بناء ثقافة تحترم الإنسان في ضعفه كما تحترمه في قوته وتمنحه الحق في أن يتعب دون أن يُهان وأن يتحدث دون أن يُدان وأن يطلب المساعدة دون أن يخشى فقدان كرامته، فالمجتمع السليم نفسيا ليس مجتمعا لا يحزن أفراده، بل مجتمع لا يتركهم وحدهم حين يحزنون.
ولعل أعظم ما يمكن أن نقدمه لبعضنا بعضا ليس أن نمنح الجميع نصائح عن كيفية التحمل، بل أن نبني عالما لا يضطر فيه الإنسان إلى إخفاء ألمه كي يحظى بالقبول، الصحة النفسية ليست شأنا يخص المريض وحده؛ إنها مسؤولية مجتمع بأكمله.
وفي العاشر من أكتوبر، لنتذكر أن وراء كل سلوك قصة قد لا نعرفها ووراء كل صمت مشاعر قد لا نستطيع رؤيتها ووراء كل إنسان نلتقيه حياة داخلية تستحق الفهم والاحترام، فلنكن أكثر رحمة وأكثر وعيا وأقل أحكاما، لأن كلمة رحيمة قد تفتح بابا للأمل واستماعا صادقا قد يخفف وطأة الألم ومساعدة في الوقت المناسب قد تغيّر مسار حياة إنسان.
اليوم العالمي للصحة النفسية | 10 أكتوبر
#اليوم_العالمي_للصحة_النفسية #الصحة_النفسية #الصحة_النفسية_مسؤولية_الجميع #لا_وصمة_مع_العلاج
