تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
(نص كلمتي يو أمس الجمعة، في أمسية إشهار مؤلّف "امرأة تلهو بموعد موتها" لرشا سعدة الصادر عن دار جدل)
ماذا يعني أن تُصدر كتابًا؟ ماذا يعني ذلك لكِ ككاتبة؟
ماذا يعني ذلك لك كناشر؟ ماذا يعني أن تكتب؟
ماذا يعني أن تأتي إلى الناس حاملًا لهم كتابًا؟
مثل هذه الأسئلة تشغلني في كلّ مرّة أستقبلُ فيها مخطوطةً لكتاب، في كلّ مرّة يُهاتفني أحدهم مهتمُّ بسيرورة الإصدار.
وهكذا عندما طلبت رشا أن نبدأ الرحلة.
لا أطرح هذه الأسئلة لافتعال صعوبة أمام النشر أو الكتابة، لا! بل لأن سؤالًا أكبرَ يسبق هذه الأسئلة وهو: كيف نفعل ذلك بمسؤوليّة وتواضع وصدق.
ـ المسؤوليّة، كي نكتبَ باحترام لأنفسنا ولقارئنا وللكلمة واللغة التي بيننا وبينه.
ـ التواضع، كي نتعلّم ونغتني ولأننا نُعاني من فائض في الادّعاء والتبجّح. التواضع لأن هناك مَن سبقونا في هذه الطريق وأبدعوا، وهناك مَن سيأتي بعدَنا ويُبدِع،
ـ الصدق، لأن هناك الكثير من الغشّ والزيفِ في الكثير من نواحي الحياة. لأننا في أمسّ الحاجة إليه وقد أنهك أرواحُنا الابتذال والنسخ والنقل والاتّباع والانتحال والتفاهة، وهذه الوفرة المُضجرة من كلّ شيء.
لأننا حيالَ سيلٍ من كتابات الذكاء المصنّع الدبِقة التي كلما فررنا من وجهها في تطبيق تسللت إلى شاشتنا في تطبيق آخر.
نحن بحاجة إلى كتابة مسؤولة ومتواضعة وصادقة كي نخفّفَ من وطأةِ عالمٍ بغير وعد يقبض على روحه الأشرار والتافهون من كلّ جنس ولون.
أقول هذا وفي الخلفيّة أناس لا يختارون إلّا الكلام المكرور كي يقولوه، يحتالون على اللغة وعلى الأدب وعلينا، بكتابةٍ برّاقة كي لا نكتشف الخَواء،
اسأل عن كلّ شيء ـ يقولون لك ـ ولا تسأل عن المعنى في عالم تستهويه التسلية وينحو منحى الترفيه!
بيننا رهط، يُريد الثقافة نشاطًا بغير معنى، والمعرفة بغير أخلاق، واللقب بغير مضمون والشهادة بغير معرفة ،يفاخر بجوائز وهميّة من مؤسّسات وهميّة وأناس وهميين.
يُريدون حياتَنا كلَّها سيرورة بين نصوص لا تستطيع السير أبعد من الورقة التي كُتبت عليه، أبعد من الصورة التي تُلتقط في ختام الأمسية.
والصورة ـ وفق هذه الثقافة ـ أهمّ من المضامين ومن المعاني، من الجماليّ والقيَميّ، بينما الثقافة هي روح الجماعة وجوهرِها.
وهي الملح الذي يحفظنا ويحمي قلوبَنا من العطب عندما تخذِلنا السياسة ويُحيقُ بنا الشرّ كما هو الآن.
والجوهر، هو سؤال المعنى والقيَم النبيلة والأخلاق في كلّ شيء؟
مِن الكتابة إلى التحرير إلى التصميم إلى النشر إلى الاحتفاء بالإصدار كما في هذه الليلة!
الثقافة في مفهومِها كمُجمل نشاط جماعة وعلاقاتها وعيشها وأحكامها وتصوّراتها عن نفسها وعن العالم، ستصحّ وتستوي في حال تأسّست على قيمتيْن أساسيتيْن: الجمال والعدل وما بينهما.
كلّنا يروم الجمالَ في الوجودِ والأشياءِ والحياةِ والعلاقاتِ، وفيما نقرأ ونكتب، أيضًا.
وكلّنا يتطلّع إلى العدل في الحياة والكونِ،
هذه هي الثقافة التي يجسّدها مؤلّف رشا سعدة "امرأة تلهو بموعد موتها"
مولود أتى ماشيًا على رجلين ثابتتيْن: الجمال والعدل وما بينهما من فرح ورأفة وحربِ عصابات ضدّ القُبحِ.
قد تتغيّر وظائف الثقافة والمثقّف ومعهما وظائفُ الأدب والأديبة من زمن إلى زمن، ولا تتغيّر نقطتا الارتكاز.
وهذه الوظائفُ في العادة تزيد ولا تنقص، تتّسع ولا تضيق. أقول هذا كطرح مضاد لطرح مَن يُريد لها أن تضيق كخرم إبرة لتصيرَ على مقاسه هو، على قدر ما يعرف خوفًا ممّا لا يعرف!
بينما الثقافة مناعتُنا الجماليّة والأخلاقيّة والروحيّة!
تخيّلوا عالمًا بغير غناء أو موسيقى، بغير أهزوجة تجعل الجسد ريشة والروحَ غزالةً جذلى؟ تخيّلوه بغير شعر أو وشم في أعلى القصيدة وإيقاع في خطوها!
الثقافة، التي نرومُها هي التي تفترض وجوبَ العدلِ في الأشياء والموجودات والاجتماع ـ لا تلك التي تبحث في الشدائد والحروب عن نجاتها هي، عن خلاصها الفرديّ، تاركةً الضحايا ينزفون وتشيحُ بوجهها عن ستغاثاتهم؟
إن أردتَ أن تكون كاتبًا يومًا، عليك أن تعيدَ على نفسك السؤالَ: كيف أدمج دمجًا خلّاقًا بين الجماليّ وبين العادل في جملةٍ واحدة؟ بين الموقفِ السويّ الواثق وبين كلام مُدهش في مجاز واحد؟
إن أردت أن تحظَى يومًا باحترام قارئك وتقديره، لا تكتفي باللغة الأنيقة المصفّاة، بل عرّج معه على ديار الحقّ ومواضع العدل وعلى الفكرة المُشرقةِ والقيمة النبيلة.
في زماننا هذا، وفيه من التفاهة والقُبح ما يكفيه، على الثقافة أن تدافع عن روح الإنسان، عن السامي، عن الرائع المأمول وعن قيَم المدينة الفاضلة،
في زماننا الذي يُباد فيه الإنسان على الهواء مباشرةً، على الثقافة أن تقول لا، أن تستـأنف أن تمتنع وتواجه، أن تُسائل وتُحاسب.
هذه هي وظيفة الثقافة والمثقف والكتابة والشعر والغناء،
فعلى الراغب في أن يصيرَ اسمًا ما أن يجعل القلم عكّازًا والحبرَ وصمةً في وجه الشرّ ومُحدثيه.
نحن نكتب كي نكتشف، كي نندهش، كي نشبّ على الطوقِ،
نكتبُ كي نُشفي ندوبًا فينا وفي الآخرين،
نكتبُ بحثًا عن المأمولِ، عن المُرتجى،
نكتب لأننّا نحبّ الحياةَ التي نحبّ
نكتبُ خروجًا من تيه ونجاةً من أسر،
نكتبُ رفضًا للقهر، للتغييب، للمحوِ.
نكتبُ كي نحضرَ بكامل قاماتنا وهويّاتنا
نكتب كي نصعد الجبلَ ونبني مجدًا يليق بنا، كي نمتلك حصّتنا من المستقبلِ وحقّنا من التاريخِ
نكتب كي نبقى، كي نكون، كي نظلّ هنا أحرارًا، كي نصيرَ ما نُريد.
فلنكتب إذن كتابةً تشرّفُنا. فلنكتب سيرتَنا الآن وغدًا.
