تواصل معنا عبر الفيسبوك
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
المعلّم السوبر مان
بقلم:منال مصطفى
في هذه الدولة، ربّما آن الأوان لأن نعيد تسمية المعلّم أو تعريف دوره وتحديد مهامّه، كي ينجح في أداء رسالته العظيمة، فلا داعي اليوم أن نقول: معلّم لغة، أو معلّم رياضيّات، أو مربّي صفّ، التسمية الأدقّ في رأيي، هي السوبر مان التربويّ، وإذا كانت التسمية تروق عند الطّواقم التّعليميّة والتّربويّة والإدارية، فلنعمل جميعًا جاهدين على تذويت هذا التعريف أو التسمية الجديدة.
اليوم يقف المعلّم أمام طلّابه نحو ستّ وثلاثين ساعة أسبوعيًّا، ومطلوب منه أن يشرح ويعيد ويبسّط، يحتوي ويهدّئ ويحلّ النزاعات، يحفّز، ويعالج الفجوات ويراقب السلوك ويتواصل مع الأهل، ويتابع الطالب المتعثّر ويفكّر في الطالب الموهوب، ويستوعب الطالب الغاضب، ويمنح كلّ واحد منهم فرصة أخرى للفهم. هذا كلّه والصفّ مملوء بعدد كبير من الطلّاب، أي أنّ العدد يفوق مساحة الغرفة مهما اتّسعت، فتراها ضيّقة، مكتظّة، الطاولة وكأنّها تزاحم الأخرى على الحيّز، فلا مجال للحركة والتنفّس، وكأنّ الطّاولات طاولة واحدة عريضة والطلّاب وراءها وحولها وبينها جمع متلاصق كقرية نمل.
ثمّ نندهش عندما يتعب المعلّم!
المقاعد تظهر في شرود طالب، وفي سرعة غضب طالب آخر، وفي عجز آخر عن التركيز، وفي حاجة رابع إلى أن يسمع جميعهم الشرح مرّة ثانية وثالثة ورابعة. المعلّم يشرح، ثمّ يلاحظ أنّ نصف الصفّ لم تصله الفكرة ولم يلتقطها. فيعيد، يبسّط، يضرب مثالًا، يغيّر الطريقة، يسأل، ينتظر ومن ثمّ يبدأ من جديد. ليس لأنّ المعلّم ضعيف في الشرح أو في أداء مهمّته التعليميّة او في طريقة هذا الأداء وأسلوبه، بل لأنّ الطالب نفسه يحتاج اليوم إلى زمن أطول كي تصل إليه موادّ التعلّم الكثيرة.
نتعامل مع الطالب والتعليم وكأنّ الحرب لم تترك وراءها آثارًا وفجوات، وليس في المنهج فقط، بل تركت فجوات في القدرة على التركيز، وفي الاستقرار النفسيّ وفي الظروف الحياتيّة والمعيشيّة وعلى العلاقات الاجتماعيّة والمستوى الاقتصاديّ، زيادة على القدرة والاستعداد للتعلّم. ولذلك فإنّ مطالبة المعلّم بأن يمضي بالمنهاج بالسرعة نفسها التي كان يمضي بها قبل سنوات، تشبه مطالبة سائق سيّارة أن يسير على طريق مملوء بالحفر محافظًا على سرعة تنطلق في شارع سويّ ومستقيم.
والأخطر من ذلك أنّ الصفوف أصبحت تُحمّل أعدادًا كبيرة من الطلّاب، بينما تقلّ الأطر التي تستطيع احتواء الفروق الهائلة بينهم.
طالب يعرف القراءة بطلاقة، وآخر ما زال يتصارع مع الحروف.
طالب يستطيع متابعة الشرح، وآخر يحتاج إلى تعليمات فرديّة.
طالب يبحث عن تحدٍّ، وآخر يبحث فقط عن طريقة تمكّنه من البقاء في الحصّة حتّى نهايتها.
ثمّ نضعهم جميعًا في بوتقة واحدة في الغرفة نفسها، والكتاب نفسه، والبرنامج نفسه، والساعات نفسها، ونطلب من المعلّم أن ينجح مع جميعهم على مختلف مستوياتهم، وهم في المناخ التّعليميّ ذاته وفي الأجواء التربويّة عينها.
أيّ معادلة تربويّة هذه؟
إنّ نقص الأطر التعليميّة المناسبة للطلّاب ذوي الاحتياجات الخاصّة والفجوات الكبيرة لا يختفي عندما يدخل الطالب إلى الصفّ العاديّ بل ينتقل عبؤه إلى المعلّم. والنتيجة أنّ المعلّم لا يعود مسؤولًا عن التعليم فقط، وإنّما يجد نفسه أمام مسؤوليّة تربويّة واجتماعيّة وأخلاقيّة وسلوكيّة ونفسيّة متشعّبة.
أمّا حصّة التربية الواحدة في الأسبوع، فهي في كثير من الأحيان أشبه بمحاولة إطفاء حريق بكوب ماء، أو انتظار عاصفة في فنجان تزلزل أركان الأرض.
حصّة واحدة لا تكفي لصفّ متنوّع القدرات، يحتاج إلى بناء مهارات يوميّة وبشكل فرديّ. كيف أختلف دون أن أتشاجر؟ كيف أضبط غضبي؟ كيف أستمع؟ كيف أتقبّل الخسارة؟ كيف أطلب المساعدة؟ كيف أتعامل مع زميلي؟ كيف أتحمّل الإحباط؟ كيف أتكلّم؟ كيف أصمت عندما يجب أن أصمت؟ زد على هذا كيف يمكن لهؤلاء الطلّاب أن يسمعوا صرير أقلامهم تحت أزيز الطّائرات ودويّ المدافع؟!
هذه ليست مهارات موسميّة. هذه مهارات تحتاج إلى تربية يوميّة.
حتّى حصّة الرياضة، التي يفترض أن تكون متنفّسًا للطلّاب ومجالًا لتفريغ الطاقة، قد تتحوّل أحيانًا إلى امتداد آخر للمشكلة التّربويّة والتعليميّة. هدف في مباراة، خلاف على دور، مشادّة بين طالبيْن، اعتراض على فريق، كلمة قيلت أثناء اللعب... تنتهي حصّة الرياضة، لكنّ المشكلة لا تنتهي معها.
تدخل المشكلة إلى الصفّ، ويصل بها الطلّاب إلى المربّي، فيجد نفسه مطالبًا بمعالجة آثار ما حدث، وإعادة العلاقات، والاستماع إلى الروايات المختلفة، وتهدئة النفوس، ثمّ العودة إلى الدرس وكأنّ شيئا لم يكن، وهنا تظهر المفارقة الكبرى:
هناك من يسلّم الطالب الكرة، وهناك من يتحمّل كلّ ما يحدث بعد أن تسقط الكرة.
إنّه المعلّم. وهذا هو جوهر المشكلة.
نحن لا نحتاج إلى معلّم يعمل أكثر، بل نحتاج إلى منظومة تجعل عمل المعلّم ممكنًا ومريحًا.
نحتاج إلى أطر تستوعب الطلّاب الذين لا يستطيع الصفّ العاديّ أن يلبّي احتياجاتهم.
نحتاج إلى ساعات حقيقيّة للتربية وبناء المهارات فيها.
نحتاج إلى دعم مهنيّ داخل المدرسة.
نحتاج إلى مختصّين يتقاسمون المسؤوليّة مع المعلّم، لا إلى تحويل كلّ مشكلة في المدرسة إلى ملفّ يوضع على مكتبه.
نحتاج إلى تخفيف الاكتظاظ، لأنّ الصفّ المكتظ لا يضاعف عدد الطلّاب فقط، بل يضاعف عدد العلاقات السلبيّة والمشكلات والفروق والحاجات التي على المعلّم إدارتها في اللحظة نفسها.
ونحتاج قبل كلّ شيء إلى أن نفهم أنّ التعليم بعد الأزمات ليس نسخة قديمة من التعليم مع إضافة بعض الدروس، بل يجب التّفكير مليًّا بمنهج جديد يقوم على أسس جديدة ومفاهيم تربويّة أصيلة ومبدعة في آن واحد. الطلّاب تغيّروا، والظروف تغيّرت، وبالتالي يجب أن تتغيّر الأدوات والأساليب أيضًا وحتّى بعض المضامين.
لا يمكن أن نطالب المعلّم بأن يعالج فجوات أزمنت منذ سنوات طويلة، وأن يعيد بناء الثقة، وأن يستعيد التركيز، وأن يرفع التحصيل، وأن يضبط السلوك، وأن يواكب المنهاج، وأن يتواصل مع الأهل، وأن يوثق كلّ شيء، وأن يعمل عشرات الساعات، ثمّ نسأله في نهاية اليوم:
لماذا أنت متعب؟
ربّما لأنّنا أخطأنا في فهم وظيفة المعلّم.
المعلّم ليس آلة شرح.
وليس جهاز إنذار للسلوك.
وليس مستشارًا نفسيًّا.
وليس بديلًا عن الأطر الغائبة.
وليس موظّفًا يستطيع أن يضيف إلى يومه مهمّة جديدة كلّما ظهرت مشكلة جديدة.
المعلّم إنسان يقف أمام بشر.
وإذا أردنا من هذا الإنسان أن يصنع تعلّمًا حقيقيًّا، فعلينا أوّلًا أن نصنع له بيئة تمكّنه من التعليم.
أمّا فكرة أنّ المعلّم يستطيع أن يحمل كلّ شيء، فهذه ليست بطولة تربويّة، ولسنا في سباق أو مباراة رياضيّة، فصنع البيئة الملائمة عمليّة سيرورة دائمة، ولذلك يجب ألّا ننتظر فوزًا ساحقًا لبطل فريد من نوعه.
هذه علامة على أنّ النظام وضع فوق كتفيْ شخص واحد أوزانًا وأثقالًا كان يفترض أن تتوزّع على منظومة كاملة، لذلك يمكننا أن نسمّي المعلّم ب "السوبرمان" على سبيل السخرية.
حين يصبح نجاح التعليم متوقّفًا على قدرة المعلّم الفرديّة على الصمود، فالمشكلة لم تعد في المعلّم،
المشكلة في النظام الذي اعتاد أن يطلب من الإنسان ما هو مستحيل، مع علمه المسبق أنّ المطلوب يستحيل تطبيقه أو تنفيذه مهما كان في الفرد/ المعلّم من قدرات وطاقات، وهذا لا يسمّى التزامًا مهنيًّا بأيّ حال.
